في سياق المراجعات الفكرية للأحزاب والتنظيمات والتيارات الفكرية السودانية، استضاف منبر آفاق جديدة للحوار الفكري الأستاذ ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، في ندوة فكرية خصصت لمناقشة مراجعات رؤية السودان الجديد واستجابتها لتحولات الواقع السوداني، بعد مرور 20 عاماً على رحيل الدكتور جون قرنق.
وقدم الندوة الدكتور صديق الزيلعي مساء الأحد 11 يناير 2026، مشيراً في مستهل حديثه إلى الإسهامات السياسية والفكرية الكبيرة التي قدمها ياسر عرمان بوصفه مناضلاً ثورياً، ودوره الفكري والنظري الكبير في تطوير النقاش حول قضايا الثورة السودانية ورؤية السودان الجديد.
واستعرض عرمان أطروحة فكرية ونظرية استندت إلى ورقته الصادرة في 20 سبتمبر 2017 بعنوان: “نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد: قضايا التحرر الوطني في عالم اليوم”، والتي اشتملت على 44 محوراً تناولت الخلفية التاريخية والإطار النظري والفكري لتجربة الحركة الشعبية، والأسئلة المطروحة اليوم، وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتحالفات، وقضايا المركز والهامش، والمواطنة بلا تمييز، إلى جانب قضايا المرأة والشباب والطلاب، وحق تقرير المصير، وقضية الكفاح المسلح، وإمكانية قيام “اتحاد سوداني بين دولتي السودان شمالاً وجنوباً”.
وأكد عرمان أن رؤية السودان الجديد لا تزال حية وفاعلة، وتمثل الخيار الأمثل لبناء السودان والحفاظ على وحدته وسيادته، كما تشكل أساساً صالحاً لربط دولتي السودان شمالاً وجنوباً. غير أنه شدد على أن هذه الرؤية تحتاج إلى ميلاد ثانٍ يستوعب دروس التجربة العملية والممارسة والمتغيرات ما بعد رحيل الدكتور جون قرنق، ويجيب على السؤال الجوهري: لماذا فشلت الحركة الشعبية في تحقيق سودان جديد علماني ديمقراطي موحد؟، معتبراً أن الإجابة على هذا السؤال تمثل مدخل تجديد الرؤية.
وأشار عرمان إلى أن زمن الكفاح المسلح القادر على إحداث التغيير قد انتهى في السودان برحيل الدكتور جون قرنق، موضحاً أن حركات الكفاح المسلح تعاني من انسداد كامل في الأفق، وتوقفت عند حدود الاحتجاج، واقتسام السلطة والثورة، ولم تعد قادرة على الإجابة عن أسئلة الجماهير وتلبية تطلعاتهم وتحسين ظروف حياتهم، وانعزلت كنخب تبحث عن السلطة والثروة وأضاف أن اتفاقيات السلام لم تنتج نظاماً جديداً، بل تحولت إلى مجرد اندماج في هيكل النظام القديم، مشيراً أيضاً إلى أن حركات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، رغم الانتصارات التي حققتها، لم تستطع إنتاج أنظمة تحقق العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
وأضاف عرمان أن الحرب الجارية لن تلد سوداناً جديداً، فهي مثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب واستهداف المدنيين، وتهدد الأسس نفسها للعيش المشترك. وأكد أن الميلاد الثاني لرؤية السودان الجديد يجب أن تضع تجربة الحركة الشعبية لبناء حركة تحرر وطني ديمقراطي، تحافظ على هويتها الثورية وروح المقاومة، وتنحاز إلى المهمشين، مع إعادة الاعتبار والاهتمام بقضايا الريف ووجهه المنتج. وشدد على أن مشروع الدولة السودانية القديم قد دمر العلاقة العضوية بين الريف والمدن، وخلف ملايين المهمشين، في وقت يستفيد من موارد الدولة وظلها بين 15 الى 20% فقط من السكان، بينما تعيش الأغلبية تحت وطأة الفقر والتهميش اللذان يولدان الحروب.
وشدد عرمان على أن التيار الثوري الديمقراطي يمثل حصيلة التجربة التاريخية لحركة السودان الجديد، التي أسسها وقادها الدكتور جون قرنق، وكذلك انحاز التيار الثوري الى ثورة ديسمبر، وان ثورة ديسمبر تشكل امتداداً لمسار الثورات السودانية منذ ثورة 1924 التي قادها الزعيم علي عبداللطيف قبل مائة عام. وأعرب عن ثقته التامة في قدرة الشعب السوداني، الديسمبريات والديسمبريين، على هزيمة قوى الحرب وبناء سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة بلا تمييز.
وأكد عرمان أن المدخل الحقيقي للتعامل مع الأوضاع الراهنة يكمن في الانتباه والمخاطبة الجدية للكارثة الإنسانية وجرائم الحرب ومعاناة الناس، وضمان حقهم في الحياة والأمن والغذاء والسكن والعلاج ووقف الحرب. وشدد على أن الإغاثة تأتي قبل السياسة، وأن معالجة الكارثة الإنسانية تمثل المدخل الضروري للعملية السياسية كحزمة واحدة متكاملة، ودعا لوحدة قوى السودان الجديد والجبهة المناهضة للحرب.




