*العرب والكرد .. تاريخ من الإخوة إبراهيم كبوشي الكاتب والباحث الإريتري*

إن العلاقة بين العرب والكُرد ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج ظرف سياسي عابر، بل هي امتداد تاريخي طويل، تشكّل عبر قرون من التداخل الجغرافي، والتفاعل الاجتماعي، والتشارك في محطات مصيرية كبرى.
هذه العلاقة، رغم ما مرّت به من تعقيدات، لا يمكن اختزالها في عنوان واحد، ولا قراءتها من زاوية واحدة، لأنها ببساطة علاقة متعددة الطبقات، فيها التاريخ، الثقافة، والإنسان قبل كل شيء.

إذا عدنا إلى الوراء قليلاً، سنجد أن الحضور الكردي في الفضاء العربي لم يكن طارئاً، من صلاح الدين الأيوبي، الذي أصبح رمزاً جامعاً في الوعي العربي والإسلامي، إلى شخصيات فكرية وعلمية وثقافية عاشت وكتبت وأسهمت في مدن عربية كبرى، وهنا تبدو الصورة مختلفة تماماً عمّا تحاول بعض السرديات الحديثة تكريسه، اذ لم يكن هناك “آخر” بالمعنى الحرفي، بل كان هناك تداخل طبيعي، صنعته الجغرافيا وعمّقته التجربة المشتركة.

في المدن المختلطة، من شمال العراق إلى شمال شرق سوريا، ومن بعض أحياء دمشق إلى أطراف الأناضول، لم تكن الهوية دائماً سؤالاً صدامياً ،بل كانت في كثير من الأحيان مساحة تعايش يومي.
اللغة قد تختلف، واللهجة قد تتباين، لكن تفاصيل الحياة – من الأسواق إلى الأعراس، ومن الأغاني إلى المطبخ– كانت تتقاطع بشكل لافت، وهذا النوع من التداخل لا تصنعه القرارات السياسية، بل تبنيه الحياة نفسها، بهدوء وعلى مهل.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التحولات السياسية في القرن العشرين، وما رافقها من نشوء الدول الوطنية بصيغها الصلبة، أعادت تشكيل هذه العلاقة على أسس جديدة.
في بعض الأحيان، تحوّل التنوّع إلى إشكالية، وأصبح الانتماء محل سؤال، لا عامل غنى، وهنا تحديدًا، بدأت الفجوة تتسع، ليس بالضرورة على مستوى الناس، بل على مستوى الخطاب.

لكن اللافت أن هذه الفجوة، رغم عمقها الظاهري، لم تُلغِ بالكامل ما تراكم عبر التاريخ، اذ بقيت هناك مساحات مشتركة، وإن خفَت صوتها، تنتظر من يعيد اكتشافها ويعيد تقديمها بلغة معاصرة.

من هذا الباب، يمكن فهم أهمية الجهود التي تحاول إعادة تسليط الضوء على هذه المشتركات، بعيداً عن الضجيج السياسي.
ومن بين هذه الجهود، برزت خلال الفترة الأخيرة حملة «تكامل… عرب وكُرد… مصير مشترك»، التي جاءت كمبادرة إعلامية – فكرية تسعى إلى إعادة قراءة العلاقة العربية – الكردية من زاوية مختلفة.
هذه الحملة، التي تُعد أحد مشاريع شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات، لم تكتفِ بسرد الوقائع، بل حاولت أن تعيد صياغتها ضمن سياق إنساني وثقافي أقرب إلى الناس.

ما يميّز هذا النوع من المبادرات أنه لا يبدأ من السياسة، بل من الإنسان، من قصة مشتركة، أو ذاكرة متقاطعة، أو تجربة عيش يومي، قبل أن ينتقل – إن لزم– إلى الأسئلة الأكبر، وهذا التدرّج في الطرح ليس تفصيلاً ، بل هو جوهر الفكرة، اي إعادة بناء الثقة بحيث تبدأ من الأسفل، لا من الأعلى.

وفي سياق عملها، اشتغلت الحملة على محاور متعددة، من إبراز الحضور الكردي في التاريخ العربي، إلى تسليط الضوء على الفنون المشتركة، مروراً بقصص التعايش في المدن المختلطة، ووصولًا إلى نماذج معاصرة تحاول تقديم صورة مختلفة عن الشراكة الممكنة.
لم يكن الهدف تقديم صورة مثالية، بقدر ما كان محاولة لتذكير الناس بأن هناك جانباً آخر للقصة جانباً غالباً ما يتم تجاهله.

اللافت أيضًا أن هذا الجهد لم يُقدَّم بلغة نخبوية معقّدة، بل بلغة قريبة من المتلقي، تجمع بين البعد المعرفي واللمسة الإنسانية.
وهذا ما منح المحتوى قدرة أكبر على الانتشار والتأثير، خصوصًا في الفضاء الرقمي، حيث تتنافس عشرات الروايات على جذب الانتباه.

في النهاية، قد لا يكون من السهل إعادة بناء علاقة تعرّضت لاختبارات قاسية عبر عقود، لكن من المؤكد أن البداية لا تكون من القطيعة، بل من إعادة اكتشاف ما كان قائمًا أصلاً.
والتاريخ، إذا ما أُعيدت قراءته بهدوء، يقدّم أكثر من دليل على أن ما يجمع العرب والكُرد ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من قصة أطول، قصة لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole