*مفتاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب) الاحترام… عنوان التغيير بقلم / د. محمد حمد محمد أحمد*

إذا وجدت حسنة واحدة مأمولة من التغيير بعد الحرب اللعينة التي ضربت بلادنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فهي إعادة صياغة ثقافتنا كسودانيين لتدخل أكبر معادلة في تاريخ التغيير: الاحترام.

لقد كان التنافس السياسي الذي أدمى بلادنا نتيجة مباشرة لغياب الاحترام بين الأحزاب، حتى تحوّل الاختلاف إلى خصومة دامية. كما تدنّت مستويات الخدمة المدنية بسبب عدم احترام المؤسسات لبعضها البعض، وتدهورت المهن بفعل التعصب المهني، وتفككت العادات والتقاليد والأحياء والمناطق نتيجة الجهل والتعصب القبلي.

فتجد دبلوماسيين بلا احترام، فتكون المحصلة دبلوماسياً صفراً، وكذلك في أغلب نواحي الحياة؛ إن غاب الاحترام فالمحصلة صفر كبير. فلا قيمة لعلم بلا احترام، ولا جدوى لمنصب بلا أخلاق، ولا معنى لوطنٍ يتآكل أهله بعضهم بعضاً باسم الاختلاف.

إن الاحترام ليس كلمة تُقال، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من داخل الإنسان، من تربيته ونظرته لنفسه وللآخرين، ثم تنعكس على الأسرة فالحي فالمؤسسات وصولاً إلى الدولة. وحين يغيب هذا المفهوم، يتحول الاختلاف إلى صراع، والتنوع إلى انقسام، والسلطة إلى أداة إقصاء لا وسيلة بناء.

لقد علمتنا سنوات الحرب أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً، وأن الغلبة لا تبني وطناً، وأن الإقصاء لا ينتج إلا مزيداً من الإقصاء. ما نحتاجه اليوم ليس فقط إعادة إعمار الحجر، بل إعادة إعمار الإنسان السوداني بإحياء قيمة الاحترام كقاعدة لأي نهضة قادمة.

فالاحترام في السياسة يعني قبول الرأي الآخر دون تخوين، والاحتكام إلى الحوار بدلاً من السلاح. وفي الخدمة المدنية يعني أداء الواجب بإخلاص، وتقدير دور كل مؤسسة دون تعدٍ أو صراع نفوذ. وفي المجتمع يعني الاعتراف بالتنوع الثقافي والقبلي كثراء لا كتهديد.

فالمعلم في موقعه عليه أن يُعلّم قبل المعرفة معنى الاحترام، وأن يغرسه في نفوس طلابه سلوكاً يومياً لا درساً عابراً. والموظف حين يخدم عملاءه عليه أن يتحلّى بالاحترام في القول والفعل، لأن جودة الخدمة لا تُقاس بالإنجاز فقط بل بحسن التعامل. والمسؤول عليه أن يضع نصب عينيه أنه راعٍ ومسؤول عن رعيته، فيقود بالعدل والاحترام لا بالتسلط.

أما الدبلوماسي في سفارته، فعليه أن يدرك أن الاحترام المتبادل هو جوهر العمل الدبلوماسي وأساس نجاحه، فهو الواجهة التي تعكس صورة الوطن؛ فإن غاب الاحترام، غابت الهيبة وضاعت الرسالة، وكانت المحصلة صفراً.

إن بداية التغيير الحقيقي لن تكون بقرارات فوقية، بل بثقافة تُبنى من القاعدة: من البيت، من المدرسة، من الإعلام، ومن كل مساحة يتشكل فيها وعي الإنسان. علينا أن نربي جيلاً يرى في الاحترام قوة لا ضعفاً، وفي الاختلاف فرصة لا خطراً.

فإن أردنا مستقبلاً مختلفاً، فلنبدأ من هنا… من أبسط القيم وأعمقها أثراً.
فالاحترام ليس مجرد سلوك حضاري، بل هو مفتاح المدى… ومدخل النجاة.

فالاحترام هو الحكاية التي لم تُروَ بعد؛ حين غاب قادنا إلى الانهيار، وبه يبدأ طريق التعافي.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole