*مطبات طريق الولاية الشمالية.. حينما تصبح “النفرة” حكومة بديلة! ​بقلم: وداد الماحي*

​أكتبُ ما أكتبه اليوم ليكون دليلاً دامغاً وشاهداً حياً على حقيقةٍ يعرفها القاصي والداني؛ وهي أن إنسان الولاية الشمالية لا يعرف انتظار “المنظمات” ولا يرهن حياته لإعانات الهيئات، بل يعتمد بعد الله على ساعده وجهده الذاتي الذي لم يخذله يوماً.

في “مطبات طريق” اليوم، نفتح الدفاتر المنسية لملحمة صمود أسطورية تجاوزت مطبات العجز المالي والبيروقراطية لتخلق منظومة حياة متكاملة. من شلالات “المحس” شمالاً وحتى منحنى النيل في “الدبة” جنوباً، ومن “حلفا” الحدودية إلى “مروي” التاريخية، تحولت الولاية إلى خلية نحل حطمت كل اليأس بـ “النفير”.

​خارطة الوفاء: القرى التي لم تنم

​المتأمل لما يحدث في محليات الولاية السبع يجد أن “الدولة” تسكن في همة “أبناء البلد” في الداخل والخارج

​وادي حلفا والمحس (سكوت وعبري ودلقو): واجه الأهالي مطب الضغط السكاني الهائل بفتح البيوت، وتكاملت جهودهم مع المسؤولية المجتمعية لتدشين مشروعات خدمية في الصحة والمياه، خاصة في مناطق “دلقو” التي لم تنتظر ميزانيات المركز.

​دنقلا والبرقيق (مركز الثقل): شهدت “دنقلا” انطلاق برامج دعم نقدي مباشر للأسر المتعففة، بينما قامت قرى “البرقيق” و”أرقو” بترميم المدارس، مع دعم 28 مبادرة مجتمعية جسدت مفهوم “الحماية الشعبية” للتنمية.

​القولد والزومة والكرو وأكد: هنا برز “النفير” بصيانة آبار المياه وتوفير منظومات الطاقة الشمسية، وهو ذات النهج الذي اتبعته مناطق “أكد وسروج” لضمان استمرار الإنتاج الزراعي رغم شح الوقود.

​كريمة ونوري (مثلث العافية): ما يحدث في “مستشفى كريمة التعليمي” معجزة؛ مجمع “كريمة الحنينة للولادة” (نفير العافية) لم يشيد بقرارات وزارية بل بتبرعات قروبات أبناء المنطقة وتجار سوق كريمة. أما “مستشفى نوري التخصصي” ومراكز “الحامداب”، فهي صروح تعمل بتمويل أهلي كامل.

​الدبة (شريان الإسناد): تحولت “التكايا” الشعبية فيها إلى مطابخ يومية، مع تدشين مشاريع “تمليك الإنتاج” (مخابز ومطاحن) لتمكين الأسر من الاعتماد على النفس.

​عصب التنمية: طرق وكباري بجهد شعبي

​المطب الأكبر كان “عزلة مناطق الإنتاج”، ولكن في عامي 2025 و2026، شهدنا حراكاً لتأهيل الطرق الاستراتيجية مثل طريق “أم هاني”، و”الشلشالة”، و”الزليط”، بجانب العمل في “كبري أبصارا” الاستراتيجي. هذه المشروعات تبرهن أن إنسان الشمالية هو “حارس التنمية” الحقيقي.

​سيمفونية المغتربين والمسؤولية المجتمعية

​لم تكن تحويلات أبناء الشمالية في الخارج مجرد أرقام، بل تحولت إلى أجهزة غسيل كلى وطاقة شمسية للمشاريع الزراعية. هذا العطاء تلاقى مع حزمة مشروعات بلغت 42 مشروعاً تنموياً تم تدشينها مؤخراً، لتثبت أن “التحالف الشعبي” هو المحرك الفعلي للإعمار.

​أصالةٌ تنبع من التاريخ

​إننا حين نرصد هذه الملاحم، فنحن نتحدث فقط عن فترة ما بعد الحرب، ولكن هذا هو حال الولاية من القدم؛ إنسانها لا يعرف الانتظار. هذه النماذج هي مجرد “غيط من فيض” لإنسان الولاية، ولو كتبنا عما يحدث فعلياً في كل بيت وحلة وفريق، لما اتسعت الدفاتر كلها، ولجفّ مداد الأقلام قبل أن نوفي هؤلاء العظماء حقهم.

كلمة فخر وشكر خاص:

لا يسعني إلا أن نرفع القبعة إجلالاً لهذا الإنسان الاستثنائي على امتداد النيل في ولايتنا الشمالية. شكر خاص لكل أمٍ خبزت المحبة مع العيش في “تكايا” النزوح، لكل مغتربٍ اقتطع من غربته ليبني مشفىً في قريته، لكل شابٍ وقف حارساً للتنمية. وإنني إذ أكتبُ هذه الكلمات، أكتبها بمداد الفخر والاعتزاز لكوني ابنة هذه الولاية المعطاءة، فخورة بأنني أنتمي لمعدنٍ لا يصدأ، ولأهلٍ جعلوا من “النفير” وطناً قبل أن يكون مجرد وسيلة.
شكراً لأنكم علمتمونا أن “البلد الببنوهو أهلو، ما بقع”.

​ختاما
إلى كل مسؤول رسمي: إذا كان الجهد الشعبي قد تكفل بالصحة، والتعليم، والإطعام، وتشييد الطرق والكباري، فدوركم ليس “الافتتاح” لالتقاط الصور، بل “تعبيد الطريق” قانونياً وإدارياً لهذه المبادرات. ولكل من ينتظرون أن تدفع لهم المنظمات ما يحتاجونه؛ “فلا بأس أن يتعلموا من إنسان الولاية كيف يدير وضعه”، وكيف يصنع من العدم حياة

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole