!
حين يخرج المسؤول الأول في الولاية الشمالية عن صمته المعهود ليصرح علانية بأن ولايته “مهمشة”، وأن كل ما نراه من تنمية هو نتاج خالص لـ “الجهد الشعبي”، فنحن هنا لا نقرأ خبراً عابراً، بل نصطدم بـ “مطب” إداري وهيكلي يعيق حركة النهوض الوطني منذ عقود.
تنمية بـ “الدفع الذاتي”
المطب الأول الذي يواجهنا هو فلسفة “الاعتماد على الذات قسراً”. لسنوات طويلة، كانت الشمالية تُسقط من حسابات الميزانيات التنموية المركزية تحت ذريعة أنها “منطقة مستقرة”. وجد المواطن نفسه مضطراً لتقمص دور الدولة؛ فالمغترب يبني المركز الصحي، والتاجر يرمم المدرسة، والمزارع يمد سلك الكهرباء بـ “النفير”. هذا الجهد الشعبي، رغم عظمته وقيمته الأخلاقية، هو في الحقيقة إدانة صريحة لغياب الإرادة السياسية التي جعلت الولاية مجرد “محصل جباية” يورد عوائد الذهب والجمارك والكهرباء للمركز، ثم ينتظر “فتات” الميزانيات التي لا تأتي.
وهم الوفرة وواقع الإهمال
المطب الثاني هو التجاهل المنظم الذي كشفته الحرب.
يشير الوالي بمرارة إلى أن المنظمات الدولية لم تعرف الطريق للولاية إلا بعد وقوع الكارثة ونزوح الملايين إليها. هذا “الاكتشاف المتأخر” يوضح أن المعايير الدولية والمحلية للتنمية كانت وما زالت “رد فعل” للأزمات، وليست تخطيطاً استباقياً. الشمالية التي فتحت بيوتها ومدارسها لاستضافة السودان بأكمله، وجدت بنيتها التحتية المتهالكة أصلاً (والتي بُنيت بجهد شعبي) تئن تحت وطأة ضغط يفوق طاقتها بأضعاف، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم.
ثروات في “قبضة” المركز
في قطاعي الزراعة والتعدين،
يتجلى المطب الأكبر؛ فالولاية التي تنتج الذهب وتوفر القمح وتصدر الكهرباء من سدودها، تعاني من ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي وغياب المسؤولية المجتمعية لشركات التعدين. هذا الخلل يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف لولاية ترفد خزينة الدولة بكل هذه المليارات أن تفتقر لأبسط الخدمات الطبية المتطورة أو الطرق المعبدة؟
تحية لـ “سند الشمال”..
الأيادي التي لا تعرف الكلل
لا يمكن أن يكتمل الحديث دون أن نرفع القبعة إجلالاً لـ “الأيادي البيضاء” من أبناء المنطقة؛ أولئك الذين لم ينتظروا قراراً حكومياً ولا دعماً دولياً، بل جعلوا من الوفاء لترابهم ديناً يُسدد. إن هؤلاء “الوطنيين بالفطرة” هم الذين جعلوا من “النفير” مؤسسة تنموية قائمة بذاتها، وهم الذين يثبتون يوماً بعد يوم أن السوداني لا يخذل أهله.
نزجي التحية لوالي الولاية الشمالية الذي ملك الشجاعة ليضع النقاط على الحروف، ويعترف بهذا الدور الشعبي العظيم، فاتحاً الباب أمام عهد جديد من المطالبة بالحقوق التي تليق بهذا العطاء.
الخروج من المطب
إن حديث الوالي اليوم بعد صمت طويل هو بمثابة “صافرة إنذار”. لقد أثبتت التجربة أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بـ نظام فيدرالي حقيقي يمنح الولايات سلطة مباشرة على مواردها. فالكتل المطلبية التي بدأت تتشكل الآن هي حائط الصد الأخير، لأن التنمية التي تقوم على “أكتاف المواطنين” فقط دون مساندة الدولة هي تنمية غير مستدامة، والحق الذي يُطالب به بصوت عالٍ، لا يمكن تجاهله إلى الأبد.




