في الوقت الذي تضيق فيه المسارات أمام الكلمة الحرة، وتتحول فيه مهنة المتاعب في بلادنا إلى “عبور مستمر فوق الألغام”، يجيء إعلان منظمة اليونسكو بفوز نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة (غييرمو كانو) العالمية لحرية الصحافة لعام 2026، كشهادة ميلاد جديدة لقوة الإرادة المهنية السودانية التي صمدت وسط ركام الحرب والشتات.
لكن، ودون أن تسلبنا الفرحة نشوة الانتصار، علينا أن نتوقف عند “المطبات” الجوهرية التي كشفها هذا التتويج. فمن المفارقات الموجعة أن يُحتفى بصحافتنا في المحافل الدولية، بينما لا تزال هذه المهنة تفتقر في الداخل إلى أبسط قواعد الحماية والرعاية. إنني أؤمن يقيناً بأن الإعلام رسالة سامية قبل أن يكون وظيفة، وهي رسالة يجب أن تجد حظها من الاهتمام الحقيقي، لا التهميش أو التضييق، فالدول لا تنهض إلا بإعلام حر يُوظف لخدمة مصالح الشعب والدولة، بعيداً عن كونه مجرد بوق لجهة أو أداة لتصفية حسابات.
إن هذا المطب التاريخي الذي نمر به، يحتم على “فرسان الكلمة” وقفة صادقة مع الذات؛ فاليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبرز الحاجة الملحة لأن يجتمع صحفيو بلادي وإعلاميوها تحت جسم واحد، يلم شتات الرؤى ويخدم الأهداف المرجوة لرفعة الوطن والمواطن، ويسهم بجدية في إصلاح ما دمرته سنوات الحرب والفرقة.
لقد أثبتت هذه الجائزة أن الكلمة الصادقة لا تضيع في زحام الأجندات، وأن الصحفي الذي يضع مصلحة إنسانه ووطنه فوق كل اعتبار، هو الذي ينتزع الاحترام العالمي في نهاية المطاف. فوز النقابة هو “تربيتة” دولية على كتف كل قلم لم يبع ضميره، ودعوة لنا جميعاً لنحوّل هذا الاعتراف إلى واقع مهني يحمي الزملاء ويصون كرامة المهنة.
ألف مبروك لكل صحفي حر كتب بكل صدق وأمانة.. فالطريق طويل، والمطبات كثيرة، لكن إرادة البقاء والإصلاح تظل هي الأقوى.




