على الرغم من أن السودان ينتج عشرات الأطنان من الذهب سنوياً، فإن عائدات هذا المورد الاستراتيجي لم تنعكس بصورة ملموسة على الاقتصاد السوداني الذي يواجه تحديات متفاقمة، في وقت تجاوز فيه سعر الدولار حاجز خمسة آلاف جنيه في السوق الموازية، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات المشروعة حول مصير عائدات الذهب وحقيقة مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني.
أين الشركة السودانية للموارد المعدنية من كشف حجم الإنتاج الفعلي والصادرات الحقيقية للذهب؟ وأين تذهب حصائل الصادر من العملات الأجنبية؟ ولماذا لم تسهم هذه الموارد في استقرار سعر صرف الجنيه السوداني أو تخفيف الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها المواطن؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة، خاصة في ظل الحديث المستمر عن إنتاج كميات كبيرة من الذهب، مقابل واقع اقتصادي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. كما تبرز تساؤلات أخرى حول حجم الذهب الذي يتم تصديره عبر القنوات الرسمية مقارنة بالكميات التي قد تتسرب عبر التهريب، ولماذا يلجأ البعض إلى تهريب الذهب إذا كانت عائداته داخل السودان أقل بكثير من قيمته في الأسواق الخارجية.
إن استمرار الفجوة بين حجم الإنتاج المعلن والأثر الاقتصادي المتوقع يفتح الباب أمام مطالبات متزايدة بمزيد من الشفافية والإفصاح حول إنتاج الذهب وعائداته وأوجه الاستفادة منها. فالمواطن الذي يتحمل أعباء الغلاء وتراجع الخدمات من حقه أن يعرف كيف تُدار ثروات بلاده، ولماذا لا تنعكس على حياته اليومية.
وإذا كان الذهب يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان، فإن الواقع يشير إلى أن كثيراً من المناطق المنتجة له ما زالت تعاني من ضعف الخدمات الأساسية. ومن المفارقات أن بعض الولايات التي تُعد من أكبر المناطق إنتاجاً للذهب تواجه أزمات حادة في الكهرباء والمياه والبنية التحتية، حتى بات توفير محول كهربائي أو صيانة شبكة قائمة يمثل تحدياً كبيراً للسلطات المحلية.
لقد أدى انقطاع الكهرباء المتكرر إلى تفاقم معاناة المواطنين وإلحاق أضرار بالقطاع الزراعي الذي تعتمد عليه أعداد كبيرة من الأسر في معيشتها، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تعجز مناطق غنية بالذهب عن توفير أبسط مقومات التنمية والخدمات؟
إن قضية الذهب لم تعد مجرد أرقام تتعلق بالإنتاج والصادرات، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين ومستقبل الاقتصاد السوداني. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات إدارة هذا المورد، وتعزيز الشفافية والرقابة، وضمان توجيه عائداته نحو دعم الاقتصاد وتحسين الخدمات وتحقيق التنمية في المناطق المنتجة وغيرها من أنحاء البلاد.
فالثروات الطبيعية لا تُقاس بما يُستخرج من باطن الأرض، وإنما بما تتركه من أثر إيجابي في حياة الناس. وحتى يحدث ذلك، ستظل الأسئلة قائمة: أين تذهب عائدات الذهب السوداني؟ ولماذا لا يلمس المواطن ثمارها؟




