في هذا المقال يحاول (أبو مغفرة) شرح مكونات الديون وتواريخها وأحجامها، ومحاولات السودان التعافي منها، والمسارات المتاحة لصناع القرار …
(١)
*حجم الدين الدولي على السودان*
مبلغ الديون التي يجب على السودان سدادها يتراوح ما بين 58–60 مليار دولار أمريكي، معظمها فوائد ومتأخرات، وليست (أصل الدين) حيث أن أصل الدين كان حوالي 17–18 مليار دولار فقط.
تلك الديون المتراكمة، جاءت من قروض من الدول الغربية ((نادي باريس)) بنسبة 80% تزيد أو تنقص قليلا، من فرنسا نحو 5.4 مليار دولار أمريكي، ومن بريطانيا نحو 4 مليار دولار، ومن ألمانيا الاتحاديه 2.5 مليار دولار، ومن روسيا الإتحادية، والبرازيل بنسب بسيطة، نعرض لها داخل هذا المقال، ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهما يشكلان ويمثلان الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي، وبأقل من 10% من الصين الشعبية وبعض دول الخليج …
تلك الديون كانت لمشروعات تنموية في البنية التحتية، في الطرق والمواصلات، وهنا لا زلت أذكر زيارة إلى البرازيل قام بها والي ولاية الخرطوم الدكتور عبدالرحمن الخضر على رأس وفد كبير في العام 2011م. بحث خلالها مع الشركات المتخصصة تصنيع وتوريد (حافلات النقل) بصات للمواصلات العامة في الخرطوم …
لكن تلك الصفقة لم تنجح بسبب إشتراط الحكومة البرازيلية على السودان، دفع نحو 95 مليون دولار أمريكي، كانت قد استوردت بها حكومة السودان البصات الصفراء المميزة المعروفة (بأبو رجيلة) وهي بصات إيطالية الصنع، ولكن الشركة المصنعة تتخذ من البرازيل مقرا لتصنيعها وتجميعها، وسميت بذلك الإسم تيمنا بعبد اللطيف (أبو رجيلة) رجل أعمال سوداني (أم درماني) عمل في هذا المجال، واستورد مجموعة من تلك البصات المعروفة لسكان العاصمة والمميزة بالسعات الكبيرة، حيث قاد نجاحها في حل مشكلة المواصلات بالقاهرة، إلى العمل كوسيط لاستيراد ذات البصات لحكومة السودان لشركة مواصلات العاصمة، لكن السودان استلم حصته من تلك البصات دون أن يسدد قيمتها فتراكمت الديون أضعافا مضاعفة …
وفي مجال السكك الحديد حيث استعانت حكومة ابراهيم عبود 1958 الى 1964م. بقروض لتمويل تشييد السكك الحديد، تمكن نظام عبود من توصيل السكة الحديد إلى نيالا غربا، والى واو جنوبا …
واقترضت الحكومات المتعاقبة بعد عبود، وأعني حكومة الأحزاب وحكومة مايو، اقترضت لأجل الزراعة، حيث كان يتم تمويل مشروع الجزيرة بقروض دولية لتوريد الآليات والمعدات الزراعية، ومعدات الري والتقاوى دون سداد الأقساط المستحقة…
وامتد الاقتراض الحكومي لتمويل الصناعة، حيث تم تشييد العديد من المصانع إبان حكومة عبود وحكومة النميري 1969 _ 1985م. دون سداد أصل مبلغ التمويل، ناهيك عن فوائد وأرباح التمويل …
وهنا أيضا أذكر أن زميل لي في العمل، يدير العلاقات المصرفية الدولية بالبنك، زار روسيا الإتحادية ضمن وفد كبير ضم مسؤولين ببنك السودان المركزي سنة 2018م وعندما توصل الوفد إلى تفاهم كبير من أجل فتح خطوط تمويل روسية لاحتياجات السودان Credit lines في مجالات استيراد مدخلات المصانع، وشحنات القمح والوقود، عاد الوفد مبشرا بنتائج مباحثاته مع الجانب الروسي، لكن لم يمض وقت طويل حتى أخطرتهم الحكومة الروسية أن على السودان ديون لم يسددها بقيمة 12 مليون دولار أمريكي، تم بها تشييد مصنع كريمة لتعليب الخضر والفواكه سنة 1962م ولم تدفع حكومة السودان التمويل ولا فوائد التمويل …
جزء كبير من الديون استخدم لصالح الخطوط البحرية وسودانير وتشييد محطات حرارية لإنتاج الطاقة والكهرباء، ولم تسدد الحكومات السودانية ما يترتب على الديون من أقساط، ناهيك عن أرباح الديون.
فبسبب من سوء الإدارة، والحروب والعقوبات، تحولت الديون إلى عبء ثقيل على الإقتصاد السوداني…
(٢)
*الجهود المبذولة لاعفاء الديون*
ما اجتهدت حكومة في السودان لاعفاء الديون مثلما اجتهدت حكومة السودان الإنتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك ووزير ماليته الأول الدكتور ابراهيم البدوي…
كان الرجلان الخبيران د. حمدوك ود. البدوي يؤمنان بجدوى مبادرة الهيبك (HIPC) وهي اختصار
لـ
Heavily Indebted Poor Countries Initiative
أي “مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون”،
مبادرة أطلقها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عام 1996م لمساعدة الدول التي تراكمت عليها ديون ضخمة وأضحت غير قابلة أو قادرة على السداد.
فبعد مباحثات مكثفة في مؤتمر باريس وفي الخرطوم حيث زار رئيس البنك الدولي ديفيد ميلباس2020م. وحضرت اجتماعا له في قاعة الصداقة بالخرطوم، أسهب الرجل في الفرص التي يتيحها التعاون مع البنك الدولي وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، واثمر ذلك الإجتماع للخروج بمبادرة ثمرات، حيث كنت ممثلا لمؤسستنا في برنامج ثمرات.
وعلى أي حال اقتربت حكومة حمدوك من إعفاء قد يصل إلى 80% أي نحو 45 مليار دولار أمريكي، لكنها لم تحصل على الإعفاء لأسباب نأتي اليها في الفقرة (3) من هذا المقال …
أما حكومة الإنقاذ 1989 _ 2019م فلم تلقي بالا للديون، فما إن قابلها المجتمع الدولي بالرفض والعقوبات، حتى أحجم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن تقديم أي مساعدات فنية أو قروض، فمنذ منتصف التسعينات، أدارت الإنقاذ ظهرها للغرب تماما، واتجهت نحو المشرق، فأسست مع الصين وماليزيا لشراكات استراتيجية في مجالات النفط والكهرباء، ومع أن هاتان الدولتان ساعدتا نظام إلانقاذ على استخراج البترول، إلا أنهما استردتا تمويلهما خلال 15 سنة بنظام (البوت) وهو اختصار للبناء والتشغيل ونقل الملكية
BOT = Build, operating & Transfer
نظام البناء – التشغيل – ونقل الملكية (BOT)
أسلوب حديث يستخدم في إدارة وتمويل المشاريع الكبرى، خاصة في البنية التحتية، حيث تقوم شركات ذات مقدرات فنية ومالية بتمويل وبناء وتشغيل المشروعات، لفترة زمنية محددة ومتفق عليها، ثم تنقل ملكيتها إلى الحكومة أو الجهة العامة المستفيدة، بعد انتهاء المدة واسترداد أصل الدين (التمويل) واسترداد الأرباح المتفق عليها عند الشروع في التنفيذ …
كانت الصين وماليزيا تأخذان حصتهما من النفط بسعر مشجع في حدود 35 دولار أمريكي للبرميل، ومع أن الصفقة تبدوا مجحفة في ظاهرها حيث ارتفع سعر النفط الى 80 دولار أمريكي وظل سعره للصين وماليزيا ثابتا 35 دولار أمريكي للبرميل، إلا أنها مكنت نظام الإنقاذ من الاستمرار، وفي نهاية المطاف حصل السودان على بنية تحتية نفطية، من الإستخراج وحتى التكرير والتصدير والكوادر البشرية، القادرة على العمل فى مجالات النفط من الاستكشاف والتنقيب وحتى التصدير …
(٣)
*أسباب تعثر سداد الديون*
عود على بدء فقد حققت حكومة حمدوك الأولى اختراقا كبيرا في ملف الديون وإعفاء الديون…
مبادرة الهيبك التي أشرت إليها، تتكون من مراحل تبدأ بمرحلة الأهلية، ثم مرحلة القرار أو (نقطة القرار)، ثم مرحلة التنفيذ، وتنتهي بمرحلة الإنجاز …
وقد وصل السودان في يونيو 2021م. مرحلة القرار، باستكمال سياسة رفع الدعم السلعي الحكومي بنسبة 100% وتعويم سعر الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية بنسبة 100%، حيث أعلنت الحكومة بشكل مفاجئ استقبال الدولار الأمريكي بمبلغ 400 جنيه لكل دولار في داخل البنوك …
وفي جانب الولايات المتحدة الأمريكية سددت حكومة حمدوك مبلغ 350 دولار أمريكي لتحصل على رفع كامل للعقوبات المفروضة على السودان …
الإجراءات المتبعة للوصول إلى نقطة القرار، تتحاشاها الحكومات المهددة بالشارع، وذلك لما تسببه من آلام وأضرار بالطبقات الفقيرة المثقلة بالظروف المعيشية الصعبة …
ولعل الناس يذكرون كيف أن تحريك سعر الخبز من جنيه إلى جنيهين فقط، تسبب في اندلاع ثورة ديسمبر ضد نظام الإنقاذ في عطبرة، ومن ثم عمت الاحتجاج جميع أنحاء السودان.
لكن التهيئة الشعبية والنفسية وقبول الشباب بالنظام السياسي الجديد، وتقديم عربون محبة، شيك على بياض(شكرا حمدوك) شجعهم على المضي قدما في سياسة إعفاء الديون رغم ما تسببه من أضرار مضاعفة للوصول إلى مرحلة الإنجاز …
خرجت من الإجتماع الذي عقده رئيس البنك الدولي بقاعة الصداقة بالخرطوم، بتعليق نشرته على صفحتي مفاده (إن محاضرة ديفيد ميلباس عن الفرص التي يقدمها البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي للسودان، سوف تروح سدى مالم يتم تخصيص قرض دولي كبير لحكومة حمدوك وبصورة عاجلة) …
لم يفعل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ما كان يجب عليهما فعله يومئذ، انتظروا إصلاحات سياسية وأمنية. لن يؤدي الشروع فيها إلا إلى الإطاحة بنظام الحكم أي كان…
ذات الأسباب والدوافع التي تم بموجبها حل الحكومة الإنتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، كانت مقنعة للشارع السوداني الذي تعرض لجراحة عميقة دون تخدير (بنج)، بتمرير الإطاحة بالحكومة والقبول بأي بدائل أخرى للألم والمئاسي التي تسببها السياسة الإقتصادية والنقدية المفضية الى إعفاء الديون…
فبمجرد أن أعلن تحالف القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية جوبا، حل حكومة حمدوك في 25 أكتوبر 2021م أعلن المجتمع الدولي ونادي باريس والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تعليق المسار المفضي لإعفاء الديون، فعادت الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه …
كان الوضع الإقتصادي أشبه بمريض تعرض لفتح البطن بعملية جراحية معقدة، فتركه الطبيب ينزف بسبب شجار أو خلاف مع أولياء الدم …
(٤)
*كيف نخرج من أزمة الديون*
أمام السودان فرصة كبيرة للتعافي من عبء الديون، ففي حال تم إيقاف الحرب، فإن النظام السياسي الجديد يجد فاتورة الدعم السلعي الحكومي وقد تم دفعها، كما أن الوصول الى مرحلة التنفيذ المباشر للتمويل الجديد قد تبدأ بتمويل مشروعات إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتمويل البنية التحتية والمواصلات …
هذا في حال سلكت الحكومة مسار التعافي من عبء الديون وإعفاء الديون والحصول على تمويل جديد من الصناديق الدولية.
أما في حال فشلت في هذا المسار، فإن بناء الشراكات الجديدة مع الصين، تعد من أفضل التجارب، فهاهي إفريقيا قد تحررت من ربقة الغرب، فنالت دول أفريقية عديدة حريتها الإقتصادية بإبعاد فرنسا وبريطانيا وألمانيا الاتحاديه من السيطرة على مفاصل الإنتاج والخدمات في تلك الدول، وبدأت في بناء شراكة استراتيجية أفريقية صينية، حققت طفرات كبيرة في مجالات الإقتصاد والتجارة والإنتاج والبنية التحتية.
والسودان بخيراته وثرواته الطبيعية أكثر قابلية للإستفادة من النموذج الصيني الأفريقي…
والله المستعان
محمد آدم (أبو مغفرة)



