(١)
يتردد في الأخبار أن مناشدات ومطالبات قُدِّمت لإصدار “عفو رئاسي” عن قادة في تحالف صمود، وآخرين، يواجهون بلاغات على خلفية اتهامات بالخيانة وتقويض النظام وجرائم معاقب عليها بالإعدام. الحديث عن “العفو” هنا ينطوي على مغالطة ينبغي رفضها – قولاً واحداً – لأنه يفترض وجود جريمة، بينما الموقف السياسي لا يتحول إلى جريمة لمجرد استخدام القانون لإسباغ وصف جنائي عليه.
نحن لسنا مجرمين حتى نطلب “العفو” أو يُطلب لنا. لم نعتمر قبعة محارب، ولم نحمل بندقية، ولم نطلق رصاصة؛ كل ما فعلناه أننا نظرنا إلى آمال شعبنا التي عَبّر عنها بثورته فرفضنا الحرب، وإلى آلامه، بعد اندلاعها، وهي تتفاقم كل يوم فدعونا وسعينا – ولا نزال – إلى إيقافها بالتي هي أحسن. وما ذلك بجريمة نطلب عنها عفواً، بل موقف سياسي وإنساني نعتز به.
معلوم أننا طالبنا، في بياناتنا ووثائقنا حول إنهاء الحرب، بإجراءات من طرفيها لتهيئة المناخ، تشمل الهدنة الإنسانية وحماية المدنيين وفتح الممرات الآمنة وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، بالإضافة إلى إلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى السياسية وضمان حرية نشاطها. لكن الاعتراف بتعسف هذه الإجراءات وإلغاؤها شيء، وتجريم الموقف السياسي السلمي ثم “العفو” عنه شيء آخر.
“العفو” المزعوم ليس تراجعاً عن الاتهمات الملفقة، بل هو إبقاءٌ على رواية التجريم: “أنتم مذنبون، لكننا قررنا أن نعفو عنكم”. وهذه رواية نرفضها من أساسها، لأنها تُحَوِّل التراجع عن الاستخدام الكيدي للقانون إلى “عفو”، وتصحيح الخطأ إلى مِنَّةٍ على من تضرر منه.
(٢)
وإذا كان الحديث عن هذه الإجراءات يأتي – كما قيل – تمهيداً لعملية سياسية، فالسؤال هو: ما طبيعة هذه العملية السياسية، وما هدفها؟
المطلوب عملية سياسية يكون هدفها الرئيس إنهاء الحرب – وليس تكريس الواقع الذي أنتجته – وهذا يستدعي ربطها عضوياً بالمسار الأمني ومسار الاستجابة الإنسانية؛ وأن تكون مستقلة عن سيطرة أي طرف، عسكريّاً كان أو مدنيّاً.
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع هيمنة منطق الحرب؛ فبينما ترفض قيادة الجيش مقترحات الهدنة وتتعهد بالتصعيد لحسم الحرب قبل نهاية العام، تعلن قيادة الدعم السريع “فك الرسن” وإطلاق العنان لقواتها وتتعهد باستعادة الخرطوم. وعليه، فإن أيّة دعوة للحوار في الداخل – أو حتى في الخارج – تأتي في سياق هذا التصعيد للخطاب الحربي وتغليب خيار الحسم العسكري على الحل السياسي، تطرح أسئلة جوهرية: هل تستهدف الدعوة إنهاء الحرب، أم ترتيباً سياسيّاً ينطلق من الأمر الواقع الذي صنعته؟ وما الذي يجنيه السودانيون من عملية لا يكون إيقاف الحرب في قلب أجندتها؟ وهل يُراد لها أن تصبح مساراً موازياً أو بديلاً للآلية الخماسية؟
من جانبنا، فإن أهم معيار للمشاركة في أية عملية سياسية أن يكون هدفها إنهاء الحرب، لا التَّكَيُّف مع واقعها. أما اعتراضاتنا وتحفظاتنا على منهج الآلية الخماسية فلا تعني رفضها من حيث المبدأ، بل تستوجب تصويب منهجها بما يُبقي دورها في حدود تيسير العملية السياسية، دون وصاية أو تدخل في تصميمها، وبما يضمن بقاء ملكيتها وقرارها للسودانيين.
(٣)
الحرب هي أم الشرور وأصل المعاناة التي طالت كل جوانب حياة السودانيين – داخل الوطن وخارجه – حتى أوشكت قدرتهم على الاحتمال أن تنفد، أو كما يقول التعبير الشعبي الساخر: “شغالين بجاز المصافي”. وذلك يجعل الواجب الأكثر إلحاحاً أمام الجميع، أفراداً وجماعات، هو الاستجابة لنداء العقل الذي يدعو إلى التخلي عن الرهان على الخيار العسكري – الذي أثبتت هذه الحرب وحروبنا السابقة كلفته الباهظة وفشله – واعتماد خيار الحل السلمي التفاوضي.
وانطلاقاً من رؤيتنا السياسية المعلنة، فإننا منفتحون على التواصل والحوار مع قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع وكل القوى المدنية الداعية إلى إيقاف الحرب، سعياً إلى خلق أرضية مشتركة يُدفَع منها باتجاه الحل السلمي التفاوضي من خلال عملية متكاملة تتساند فيها المسارات الأمنية والإنسانية والسياسية لطي صفحة الحرب والحفاظ على وحدة السودان، وإنهاء هيمنة السلاح على السياسة، وقطع طريق عودة الاستبداد، وإفساح المجال أمام السودانيين لمعالجة جذور أزمتهم والتوافق، بإرادتهم الحرة، على أسس بناء دولة مدنية ديمقراطية تسود فيها شروط الكرامة الإنسانية لأهلها كافة، بلا إقصاء ولا تمييز.




