*عمق النفوذ الإسرائيلي داخل الدوائر الاستخباراتية الإماراتية بقلم: د. فرج وافي الخنفري*

لم تعد العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب، منذ توقيع اتفاقات التطبيع، محصورة في حدود التعاون السياسي والاقتصادي التقليدي، بل تطورت إلى مستويات أمنية واستخباراتية وتقنية أكثر تعقيداً.

وتشير تقارير صحفية ووثائق مسرّبة إلى تنامٍ لافت في مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية في البلدين، بما يفتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذا الاندماج، وحدود النفوذ الإسرائيلي داخل بعض الدوائر الأمنية الإماراتية، ومدى تأثير الاعتماد التقني والاستخباراتي على استقلالية القرار.

أولاً: قنوات تنسيق على أعلى مستوى

في مايو 2026، أفادت «وول ستريت جورنال» بأن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع زار الإمارات سراً مرتين على الأقل خلال الحرب مع إيران، في مارس وأبريل، لإجراء مباحثات تتعلق بالتنسيق وتبادل المعلومات، كما أشارت تقارير إلى زيارة رئيس جهاز الشاباك ديفيد زيني لأبوظبي خلال الفترة ذاتها.

وبغض النظر عن تفاصيل تلك الزيارات، فإن وصول التنسيق إلى مستوى رؤساء الأجهزة الاستخباراتية يعكس، وفق هذه التقارير، وجود قنوات اتصال مباشرة تتجاوز نمط تبادل المعلومات الروتيني.

وفي الأزمات الإقليمية الكبرى، تصبح طبيعة هذه القنوات أكثر أهمية؛ إذ إن مستوى التنسيق بين الأجهزة قد يكون مؤشراً على حجم التشابك الأمني بين الطرفين.

ثانياً: الاعتماد التقني… النفوذ من بوابة التكنولوجيا

الجانب الأكثر حساسية في العلاقة يتمثل في التكنولوجيا الأمنية والاستخباراتية.

وتحدثت تقارير عن وثائق داخلية مرتبطة بشركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية، نشرتها صحيفة «هآرتس»، تتعلق بطلبات إماراتية للحصول على أنظمة استطلاع متقدمة، بينها طائرات Hermes 900، مع قدرات مرتبطة بالمراقبة والاستطلاع والإشارات والحرب الإلكترونية.

ولا تكمن أهمية هذه المنظومات في امتلاك المعدات فقط، بل في منظومة التشغيل المتكاملة التي ترافقها، بما في ذلك التدريب والدعم الفني والتحديثات والصيانة وتطوير البرمجيات.

وهنا تظهر معادلة أكثر تعقيداً: كلما ارتفع الاعتماد على منظومات تقنية متقدمة مصدرها طرف خارجي، أصبح الحفاظ على كفاءة هذه المنظومات مرتبطاً بدرجة ما باستمرار العلاقة مع الجهة المنتجة.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة أمنية إلى مصدر نفوذ استراتيجي طويل الأمد.

ثالثاً: المنصات المشتركة والحضور الإقليمي

تتحدث تقارير كذلك عن تعاون استخباراتي وتقني بين الإمارات وإسرائيل في مجالات الأمن السيبراني وتبادل المعلومات، فضلاً عن تقارير استقصائية تناولت وجود تقنيات إسرائيلية للرصد والاستشعار في مناطق ذات أهمية استراتيجية للجانبين.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للقرن الإفريقي وباب المندب، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاستخباراتية الإقليمية والدولية.

لكن الأهم هنا ليس مجرد وجود معدات أو تعاون ميداني، وإنما السؤال المتعلق بمنظومة المعلومات نفسها: من يجمع البيانات؟ ومن يحللها؟ ومن يحدد أولويات استخدامها؟

أين تكمن المخاطر؟

إن ارتفاع مستوى الاندماج الأمني والاستخباراتي لا يعني بالضرورة أن طرفاً ما فقد سيادته أو أصبح خاضعاً بالكامل للطرف الآخر. لكن مثل هذا الاندماج يمكن أن ينتج عنه عدد من المخاطر الاستراتيجية:

1. الاعتماد التقني:الاعتماد المتزايد على أنظمة أجنبية متقدمة يجعل التشغيل والصيانة والتحديث والتدريب مرتبطة بدرجة ما بمصدر التكنولوجيا.

2. تداخل الأولويات:عندما تتشارك الأجهزة معلومات وتقديرات أمنية بصورة مستمرة، قد تتقاطع الأولويات الاستراتيجية، خصوصاً في الملفات الإقليمية شديدة الحساسية.

3. ارتفاع تكلفة فك الارتباط:كلما تعمق التعاون التقني والاستخباراتي، أصبح تقليصه أو إنهاؤه أكثر تعقيداً، ليس سياسياً فحسب، بل تقنياً وعملياتياً أيضاً.

السؤال الأكبر: وماذا عن الرياض؟

هنا تنتقل القضية من أبوظبي إلى سؤال إقليمي أوسع:

كيف تُترجم توجهات تل أبيب في الشرق الأوسط عملياً؟ وهل يمكن أن يمتد النفوذ الاستخباراتي والتقني الإسرائيلي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى دوائر القرار في الرياض؟ أم أن السعودية تحافظ على مسافة مختلفة عن النموذج الإماراتي؟

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بمجرد رصد صفقات السلاح أو اللقاءات السياسية، وإنما يحتاج إلى قراءة شبكة العلاقات الأمنية والتقنية ومراكز إنتاج المعلومات واتخاذ القرار في المنطقة.

فالعلاقة بين أبوظبي وتل أبيب، بحسب ما تكشفه التقارير المتاحة، أصبحت أكثر عمقاً من مجرد تعاون دبلوماسي.

لكن النفوذ لا يُقاس فقط بمن يجلس إلى طاولة المفاوضات، وإنما أيضاً بمن يملك التكنولوجيا، ومن يسيطر على تدفق المعلومات، ومن يمتلك القدرة على تحليلها وتوجيهها.

وفي النهاية، تبقى السيادة الحقيقية في قدرة الدول على امتلاك أدواتها الاستراتيجية، وتنويع مصادر قوتها، والحفاظ على استقلال قرارها في اللحظات التي تصبح فيها التحالفات تحت الاختبار.

الدار أمان… والسيادة تُحرس من الداخل أولاً.

مقالات ذات صلة