في أبجديات العقد الاجتماعي الذي أسس لمفهوم الدولة في التاريخ البشري، يتنازل المواطن عن جزء من كدحه وماله في صورة ضرائب ورسوم مقابل أن تلتزم الدولة بتقديم الخدمات الأساسية وحفظ الأمن والصحة.
لكننا اليوم، وفي مشهد سريالي قادم من مدينة #وادي_حلفا، نقف أمام إعلان رسمي وقح بسقوط هذا العقد وتحول الدولة من راعية إلى مجرد محصل يتسول رواتب موظفيه من جيوب المحسنين!
خبر تكفل رجل الأعمال ابن #حلفا عبدالمجيد طلسم بسداد مستحقات كوادر التمريض بمستشفى #وادي_حلفا التعليمي هو في ظاهره نبل وتكافل يُشكر عليه الرجل، ولكنه في باطنه نعيٌ رسمي لوزارة الصحة وفضيحة إدارية وأخلاقية تجلل هامة كل مسؤول في هذه الحكومة.
وما يضاعف من فداحة هذه الملهاة ويفقأ عين الحياء أن هذا الإعلان الصريح عن الموت السريري لمؤسسات هذه الدولة وتخليها عن مسؤولياتها لم يُسرب خلسة ولم تكشفه الصحافة الاستقصائية، بل نُشر بكل صفاقة وتبلّد إحساس عبر منصة رسمية تابعة لإعلام محلية #وادي_حلفا! بلا قطرة خجل وكأنهم يزفون للمواطنين إنجازا تنمويا غير مسبوق، غافلين في غمرة تبلدهم الإداري عن كونهم يوثقون بأيديهم صك إدانتهم ويعلنون على الملأ أن سلطتهم وحكومتهم باتت عالة على المواطنين والمحسنين وفاعلي الخير.
كيف يستقيم في العقل والمنطق أن تعمل الكوادر الطبية في مؤسسة حكومية تحت مظلة وزارة حكومية لإنقاذ أرواح مواطنين في مستشفى حكومي ثم يُنتظر من الخيرين أن يتكرموا بدفع رواتبهم لفك إضرابهم؟!
إن كانت الحكومة عاجزة عن سداد أجر من يمسك بحقنة العلاج ومشرط الجراحة فما هو مبرر وجودها في الأساس؟ وما الذي تفعله جيوش المسؤولين في مكاتبهم الوثيرة سوى استهلاك هواء المكيفات وصياغة بيانات الشكر لمن سدوا عجزهم؟!
أما العذر الأقبح من الذنب فهو ذلك التبرير البائس الذي ساقته الإدارة بأن الأزمة ليست في انعدام المال بل في نظام الإيصال المالي الإلكتروني وتوريد الإيرادات مركزيا إلى رئاسة الولاية!
يا لها من مفارقة تثير الغثيان؛ فحين يتعلق الأمر بـحلب جيب المواطن تعمل الأنظمة الإلكترونية بكفاءة منقطعة النظير وتتحرك آلة الجباية بسرعة الضوء لتنتزع الرسوم والضرائب والزكوات والدمغات من كل معاملة حكومية أو خاصة. ولكن حين تدق ساعة الوفاء بالحقوق وسداد عرق العاملين تصاب الخزينة بالشلل الرعاش، وتتحول الشبكات المركزية إلى سلحفاة عرجاء تتعثر في أروقة البيروقراطية المقيتة.
إننا أمام متلازمة دولة الجبايات في أبشع صورها؛ مؤسسات ووزارات لاتعرف من واجبات الحكم سوى التحصيل.
المواطن في هذا البلد هو من يبني المدارس والمستشفيات بالجهد الشعبي، وهو من يشتري أجهزة غسيل الكلى بتبرعات الخيرين، وهو من يوفر الأدوية عبر المبادرات المجتمعية واليوم.. هو من يدفع رواتب الموظفين الحكوميين، ثم وبكل استخفاف تقف الحكومة على أبواب هذه المؤسسات التي بناها المواطن وشغّلها المحسنون لتفرض رسوم الدخول ورسوم العلاج ورسوم استخراج الورق لتوردها مركزيا إلى خزائن لا نرى لها أثرا على أرض الواقع.
إذا كانت الجهود الأهلية هي التي تبني والجيوب الخاصة هي التي تموّل والمحسنون هم من يدفعون الرواتب والإعلام الحكومي يصفق لذلك بلا حياء، فليمتلك المسؤولون شجاعة الاعتراف بأنهم تحولوا إلى متسولين ومحصلين ووسطاء جباية لا رجال دولة.
أمام هذه الفضيحة المكتملة الأركان لا يملك المرء إلا أن يوجه سؤالا مباشرا لكل مسؤول يقرأ هذا الخبر ولا يتصبب جبينه عرقا، إذا كان المواطن يقوم بدوركم كاملا فهلّا تفضلتم بإعفائنا من عبء وجودكم وتركتمونا ندير شأننا بأنفسنا بعيدا عن تسولكم من قوتنا وكدحنا وعرق جبيننا.
حلفا اليوم –




