*بمشاركة نصر الدين عبد الباري وهالة الكارب والتجاني السيسي وآخرين… بريطانيا تستعيد مفاتيح الملف السوداني في ويلتون بارك تُنّة رجب*

ليس من السهل أن تنجح دولة أجنبية في جمع هذا القدر من التناقضات السودانية داخل قاعة واحدة، بعيداً عن عدسات الإعلام وضجيج المنابر السياسية. لكن ما جرى في مؤتمر ويلتون بارك، الذي اختتم أعماله الجمعة برعاية وزارة الخارجية البريطانية، يكشف أن لندن لا تتحرك بوصفها دولة تستضيف ندوة أكاديمية، وإنما باعتبارها قوة تمتلك خبرة تاريخية متراكمة في إدارة الملف السوداني، وتعرف أن مفتاح أي تسوية لا يبدأ من الاتفاق بين الحكومات، وإنما من رسم خريطة الفاعلين الحقيقيين القادرين على التأثير في مستقبل البلاد.

فخلال السنوات الماضية حاولت عواصم عربية وإقليمية وغربية عديدة جمع السودانيين حول طاولة واحدة. شهدنا منبر جدة، واجتماعات القاهرة، ومؤتمرات أديس أبابا، ومسارات المنامة وجنيف وغيرها. غير أن معظم تلك المبادرات كانت تنتهي إلى جمع طرف أو طرفين، أو إلى استبعاد قوى مؤثرة، أو إلى تمثيل يغلب عليه الطابع السياسي الضيق.

أما في ويلتون بارك، فقد بدا أن الخارجية البريطانية اختارت منهجاً مختلفاً تماماً؛ إذ انطلقت من سؤال أكثر عمقاً: من هم المنتجون الحقيقيون للسياسة السودانية، ومن يمتلكون القدرة على التأثير في أي عملية انتقال قادمة؟

اللافت أن قائمة المشاركين لا تعكس انتماءً سياسياً واحداً، وإنما ترسم لوحة واسعة للنخبة السودانية. فقد ضمت أكاديميين مرموقين، وخبراء قانون، وحقوقيين، وشخصيات خدمت في مؤسسات الدولة، وقيادات سياسية، وممثلين لتيارات مختلفة، إلى جانب شخصيات ذات حضور في ملفات السلام والعدالة الانتقالية والإدارة العامة.

ومن بين الأسماء التي شاركت: التجاني سيسي، نبيل أديب، بكري الجاك، مضوي إبراهيم، سليمان بلدو، محمد ناجي، بلقيس بدري، الواثق كمير، منزول عسل، المحبوب عبد السلام، محمد عبد السلام، هالة الكارب، عائشة البرير، حامد البشير، ونصر الدين عبد الباري، إضافة إلى شخصيات أخرى لم يُعلن عن أسمائها بصورة رسمية.

ولا تكمن أهمية هذه الأسماء في شهرتها فقط، وإنما في أنها تمثل مدارس مختلفة في التفكير السياسي والإداري والقانوني، وبعضها يحتفظ بعلاقات مع أطراف الحرب، بينما يرتبط بعضها الآخر بمراكز صنع القرار الدولية، الأمر الذي يمنح المؤتمر قيمة تتجاوز كونه لقاءً تشاورياً.

ويبدو أن بريطانيا تعمدت أيضاً أن يبقى المؤتمر بعيداً عن التغطية الإعلامية اليومية، وهو أسلوب درجت عليه لقاءات ويلتون بارك منذ عقود، حيث تُدار النقاشات وفق قاعدة تسمح للمشاركين بطرح أفكارهم بحرية بعيداً عن ضغوط التصريحات العلنية، بما يخلق مساحة لاختبار الأفكار قبل تحويلها إلى سياسات.

ووفق ما رشح من أجواء المؤتمر، فقد انصبت النقاشات على عدد من المحاور الأساسية، أبرزها مستقبل وقف إطلاق النار، وآليات إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإعادة إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، والإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى شكل الحكم المدني والعلاقة بين المركز والأقاليم، والدور الذي يمكن أن تؤديه القوى المدنية في مرحلة ما بعد الحرب.

كما ناقش المشاركون ضرورة ألا تتحول أي تسوية إلى مجرد اتفاق بين حاملي السلاح، وإنما إلى عملية سياسية تستوعب القوى المدنية والخبرات الوطنية، بما يمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى اندلاع الحرب.

القراءة الأهم في هذا المؤتمر لا تتعلق فقط بما قيل داخل القاعات، وإنما بما تكشفه طبيعة الحضور. فنجاح لندن في جمع هذا الطيف الواسع من السودانيين يعني أنها تمكنت مما عجزت عنه مبادرات عديدة خلال العامين الماضيين. وهو ما يعكس استمرار امتلاكها شبكة علاقات عميقة مع النخب السودانية، وقدرة على مخاطبة مختلف التيارات دون أن تُحسب بالكامل على أي منها.

ومن المرجح أن تكون مخرجات المؤتمر، حتى وإن لم تصدر في صورة بيان سياسي مفصل، مرجعاً تستند إليه الدبلوماسية البريطانية وشركاؤها الغربيون في صياغة المرحلة المقبلة من التعاطي مع الأزمة السودانية، خاصة في ظل تنامي القناعة الدولية بأن استمرار الحرب لم يعد قابلاً للاحتواء، وأن أي حل عسكري بات بعيد المنال.

ويكتسب توقيت المؤتمر أهمية إضافية، إذ يأتي بينما تتزايد الضغوط الدولية لوقف القتال، وتتوسع الكارثة الإنسانية، ويتراجع الاهتمام الدولي تدريجياً بفعل أزمات عالمية أخرى. ومن هنا يبدو أن بريطانيا تحاول إعادة السودان إلى واجهة الأجندة الدولية، ولكن عبر بوابة إنتاج أفكار عملية بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية.

ختام المؤتمر، الجمعة، لا يعني نهاية المسار، يقيناً يمثل بدايته. فالرهان الحقيقي ليس على البيان الختامي، وإنما على قدرة التوصيات التي خرج بها المشاركون على التحول إلى إطار مرجعي يدفع نحو وقف الحرب، وفتح مسار سياسي شامل، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مدنية وديمقراطية أكثر استقراراً.

وإذا كان من المبكر الحكم على النتائج النهائية، فإن المؤكد أن ويلتون بارك سجل نقطة دبلوماسية مهمة لبريطانيا، وأثبت أن الخبرة التاريخية المتراكمة في فهم السودان لا تزال تمنح لندن قدرة استثنائية على جمع من يصعب جمعهم، وصناعة مساحات للحوار عجزت عنها مبادرات أكثر صخباً وأوسع تمويلاً.

مقالات ذات صلة