*موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم شمال كردفان… جيشنا لا يُخلف الوعد*

تحمل ميادين القتال رسائلها الخاصة، ولا تكشف دلالاتها إلا لمن يقرأ حركة القوات، واتجاهات العمليات، وإيقاع الميدان. وفي مسار كل حرب تأتي لحظة فارقة يتجاوز أثرها حدود استعادة مدينة أو حسم معركة، لتعلن انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة تتبدل فيها موازين المبادأة، وتتغير خرائط الحركة، ويُفرض واقع عملياتي جديد على الخصم. ومن هذه الزاوية، تكتسب التطورات الأخيرة في شمال كردفان أهميتها؛ فهي تمثل وفاءً بوعد قطعته المؤسسة العسكرية منذ اندلاع الحرب، بأن المعركة ستُدار بالنَّفَس الطويل، وأن الحسم سيأتي عبر التراكم العملياتي، لا عبر الاندفاع. وجاءت الوقائع لتمنح ذلك الوعد معناه الحقيقي، بعد أن تكفلت الخطة، والاحتراف، وحسن إدارة القتال بترجمة الأقوال إلى نتائج، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل مسرح العمليات. فالمعركة الحقيقية تبدأ عندما يفقد الخصم حق اختيار زمان القتال ومكانه.

ومن هذا المنظور، فإن الانتصارات المتزامنة التي حققتها القوات المسلحة في شمال كردفان، باستعادة جبرة الشيخ، وأم سيالة، وبارا، ثم جريجخ وأم قرفة، واكتمال التقاء متحركات الفرقة الخامسة مشاة مع قوات محور طريق الصادرات القادمة من أم درمان في اتجاه بارا والأبيض، لا تمثل نجاحاً ميدانياً فحسب، وإنما تعكس انتقال العمليات إلى مرحلة أكثر نضجاً في التخطيط والتنفيذ، عنوانها تنسيق المحاور، والمحافظة على زمام المبادأة، والاستثمار المتواصل للنجاح.

وتكشف هذه العمليات عن نجاح واضح لرئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا وأركان حربه في إدارة واحدة من أكثر العمليات تعقيداً منذ اندلاع الحرب. فالتقدم المتزامن من عدة اتجاهات، وتحقيق الالتقاء بين المحاور، لم يكن وليد المصادفة، وإنما ثمرة تخطيط عملياتي محكم، وإدارة دقيقة للقيادة والسيطرة، وتقدير صحيح لتوقيت الهجوم، بما يتوافق مع مبادئ الفن العملياتي الحديث القائم على تركيز الجهد الرئيسي، وتعدد محاور الضغط، والمحافظة على زخم العمليات حتى تحقيق أهدافها.

ولعل ما يمنح هذه التطورات بعداً إضافياً هو أنها تأتي امتداداً لما ظلت تؤكد عليه القيادة العامة للقوات المسلحة منذ المراحل الأولى للحرب. فقد أعلن القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في أكثر من مناسبة، أن المعركة لن تتوقف إلا بالقضاء على التمرد واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها. كما أكد رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا أن العمليات العسكرية ستستمر بمراحلها المختلفة، وأن القوات المسلحة ستلاحق المليشيا والمرتزقة، وتكسر قدرتهم القتالية، وتطاردهم حتى آخر شبر من حدود السودان. واليوم، ومع توالي النجاحات في شمال كردفان وغيرها من المحاور، تبدو تلك التصريحات أكثر ارتباطاً بخطة عملياتية متدرجة، لم تكن مجرد مواقف إعلامية، وإنما عكست رؤية عسكرية طويلة النفس، تتقدم وفق حسابات الميدان وإمكاناته، حتى تتحقق أهدافها على الأرض. وهكذا انتقلت الوعود من دائرة التصريحات إلى واقع العمليات، حيث يتولى الميدان وحده مهمة إثباتها.

ويبرز في هذه العمليات بعدٌ آخر لا يقل أهمية عن الإنجاز الميداني، وهو البعد الاستخباراتي. فالانتصارات الكبرى لا تبدأ ساعة الهجوم، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تنجح الأجهزة المختصة في إضعاف منظومة الخصم من الداخل، وتفكيك شبكات دعمه، وتعطيل مصادر معلوماته، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة لديه. وما شهدته المليشيا خلال الأشهر الماضية من انهيار في كثير من حواضنها المحلية، وانشقاق عدد من قياداتها وعناصرها، وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بشبكات الإمداد والاستطلاع، أدى إلى خلخلة بنيتها التنظيمية، وإضعاف قدرتها على توقع اتجاهات العمليات أو إعادة تجميع قواتها بعد الضربات، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أدائها القتالي في أكثر من محور.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن تأمين طريق الصادرات يمثل واحداً من أهم مكاسب هذه العمليات، لأنه ليس مجرد طريق للنقل، وإنما محور لوجستي واستراتيجي يربط وسط السودان بغربه، ويؤمن حركة القوات والإمدادات، ويزيد من العمق الدفاعي لأواسط وشمال السودان، ويحد في المقابل من قدرة المليشيا على الحركة وقطع خطوط الإمداد أو تنفيذ عمليات التفاف وإغارة.

ويمثل ذلك في الفكر العسكري أحد أهم مؤشرات انتقال المبادأة إلى يد القوات المهاجمة. فامتلاك زمام المبادأة يغيّر طبيعة الحرب نفسها، إذ يمنح القائد حرية اختيار زمان المعركة ومكانها واتجاهها، بينما يجد الخصم نفسه مدفوعاً إلى الاستجابة بدلاً من الفعل، وإلى الدفاع عن مواقعه بدلاً من تنفيذ خططه. ومع مرور الوقت، تتراجع قدرته على التخطيط والمناورة، وتنحصر خياراته بين الانسحاب، أو إعادة التموضع، أو الاكتفاء بردود أفعال متأخرة. وما تشهده شمال كردفان اليوم يقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول العملياتي.

أما مدينة بارا، فهي ليست مجرد هدف عملياتي، وإنما عقدة جغرافية حاكمة في وسط السودان. فهي تنفتح على الفضاء الغربي المؤدي إلى دارفور، وشمال وغرب السودان، وتمثل نقطة ارتكاز للطرق المؤدية إلى الحدود الغربية. والسيطرة عليها تمنح القوات المسلحة حرية أوسع في المناورة، وتوفر قواعد انطلاق أكثر أمناً، وتزيد من قدرتها على نقل الجهد العسكري بين المحاور المختلفة، بينما تدفع قوات المليشيا إلى الانكماش داخل نطاقات أضيق تقل فيها خيارات الحركة وإعادة الانتشار.

كما تؤكد العمليات الأخيرة نجاح القوات المسلحة في تطبيق مبادئ قتالية راسخة، تقوم على التطويق والإحاطة، وتعدد محاور التقدم، والملاحقة المستمرة، والاستثمار السريع للنجاح، وهي مبادئ تهدف إلى حرمان الخصم من إعادة تنظيم صفوفه أو استعادة توازنه، ودفعه إلى التراجع تحت ضغط متواصل، وصولاً إلى حصر قواته غرباً داخل مساحات جغرافية أضيق، بما يقلص حرية المناورة ويزيد من فاعلية الاستهداف.

ومع تضييق مساحات المناورة، وتقييد حرية الحركة، وتهديد خطوط الإمداد، تقترب قوات المليشيا تدريجياً إلى ما يعرف عسكرياً بـ”الذروة العملياتية”. وهي المرحلة التي تبدأ فيها القوة المقاتلة بفقدان قدرتها على مواصلة الهجوم، أو حتى المحافظة على مستوى انتشارها السابق، نتيجة الاستنزاف المتراكم، وتراجع الإسناد اللوجستي، وانكماش خيارات المناورة. وعند هذه النقطة، يصبح الحفاظ على المواقع أكثر صعوبة، بينما تتزايد قابلية القوات للتفكك والانكفاء تحت ضغط العمليات المتواصلة.

ويحسب لهذه العمليات أيضاً نجاحها في تجسيد مفهوم العمليات المشتركة، حيث تكاملت أدوار قوات المشاة مع الإسناد الجوي، خاصة الطائرات المسيّرة التي أصبحت تؤدي أدواراً حاسمة في الاستطلاع، وكشف الأهداف، وتوجيه النيران، وتنفيذ الضربات الدقيقة، بالتوازي مع الدور الذي اضطلعت به القوات المشتركة المساندة من حركات دارفور، والمستنفرين، في إطار تنسيق ميداني يعكس تطوراً ملحوظاً في إدارة القتال وتكامل الأسلحة.

لقد ظلت قطاعات من الرأي العام تتساءل خلال فترات سابقة عن أسباب بطء العمليات العسكرية، وفسر البعض ذلك على أنه تردد أو غياب للمبادرة. غير أن ما تحقق لاحقاً في استعادة الخرطوم، وكامل ولايات وسط السودان، وأجزاء واسعة من النيل الأزرق، ثم ما يجري اليوم في شمال كردفان، يؤكد أن المؤسسة العسكرية كانت تبني عملياتها وفق حسابات مهنية دقيقة، لا وفق إيقاع الضغوط الإعلامية أو الانفعالات الشعبية. فالجيوش المحترفة لا تخوض الحروب لإرضاء المزاج العام، وإنما تتحرك عندما تكتمل عناصر النجاح، وتختار زمان المعركة ومكانها بما يحقق أعلى مكسب عسكري وأقل كلفة ممكنة.

ولذلك فإن ما يجري في شمال كردفان ينبغي أن يُقرأ باعتباره أكثر من مجرد سلسلة انتصارات ميدانية. فهو يعكس انتقالاً تدريجياً في إدارة الحرب من مرحلة استعادة الأرض إلى مرحلة إعادة تشكيل البيئة العملياتية نفسها، وانتزاع زمام المبادأة، وتضييق الخناق على المليشيا، وتقليص قدرتها على المناورة والانتشار، بما يهيئ الظروف لعمليات أوسع في الفضاء الغربي. ولقد أثبتت هذه المعارك أن الجيوش المحترفة تبني انتصاراتها بالصبر، وتؤسسها بالتخطيط، ثم تترك للميدان مهمة الإعلان عنها. وما تحقق اليوم يمثل محطة جديدة في مسار حرب تُدار وفق رؤية عسكرية متماسكة، يتكامل فيها التخطيط، والاستخبارات، والصبر العملياتي، حتى تتكامل عناصر الحسم على أرض المعركة، وتنضج ظروف الحسم في الميدان. وهنا يكتسب عنوان المقال معناه الكامل؛ فجيشنا لا يُخلف الوعد، لأن وعود الجيوش تُكتب على خرائط العمليات، ويصدقها الميدان قبل أن ترويها البيانات.

الأحد 26 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة