*بيت السودان يعود للحياة.. من طوابير الوثائق إلى صناعة الأمل المقدم حسن فقيري.. حين تنزل الإدارة من المكتب إلى الميدان بقلم: د. سعاد فقيري الأحد 9 أغسطس 2026*

ليس كل ازدحام فشلاً، وليس كل طابور دليلاً على سوء الإدارة.
أحياناً يكون الازدحام نفسه رسالة.
والرسالة التي حملها اليوم بيت السودان بالسيدة زينب واضحة:
السودانيون يريدون العودة إلى وطنهم.
مئات المواطنين حضروا اليوم لاستخراج وثائق السفر الاضطرارية، تجاوز عددهم 500 شخص، وفي كل وجه قصة، وفي كل أسرة ظرف، وفي كل انتظار أمنية بأن تنتهي الإجراءات سريعاً ليعود صاحبها إلى السودان.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
بيت السودان.. البيت الذي نريد أن يستعيد روحه
كان بيت السودان بالسيدة زينب، في عهود سابقة، منارة للسودانيين وقبلة للمناسبات واللقاءات، ومكاناً يشعر فيه السوداني بأنه لم يغادر السودان تماماً.
ثم تراجع دوره حتى أصبح، في نظر كثيرين، أقرب إلى مدرسة مهجورة.
واليوم بدأت نافذة جديدة تفتح في هذا البيت.
اختيار بيت السودان لاستخراج وثائق السفر الاضطرارية كان اختياراً موفقاً؛ لقربه من قطاعات واسعة من السودانيين، ولأن الوصول إليه أسهل كثيراً من الذهاب إلى مقر السفارة بالتجمع الخامس.
وهذه ليست مسألة جغرافية فقط.
إنها مسألة إنسانية.
فالمريض وكبير السن والأم التي تحمل أطفالها وصاحب الحالة الخاصة لا يستطيعون تحمل رحلة طويلة ثم الوقوف لساعات.
الخدمة القنصلية الناجحة هي التي تراعي ظروف المواطن قبل أن تطلب منه مراعاة ظروفها.
أكثر من 500 مواطن في يوم واحد
بدأ العمل منذ الثامنة صباحاً واستمر حتى المساء.
لكن العدد الكبير كشف أن حجم الطلب أكبر مما كان متوقعاً.
بين الحاضرين:
مرضى الأمراض المزمنة.
مرضى القلب.
مرضى الفشل الكلوي.
كبار السن.
أصحاب الحالات الخاصة.
أمهات لديهن أطفال كثر.
نساء خضعن لعمليات الغدة وغيرها.
حالات مرتبطة ببرامج الحقن المجهري.
أسر ترغب في العودة إلى السودان في أسرع وقت.
وهنا يجب أن نتوقف.
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في كشف.
كل واحد منهم حالة إنسانية تحتاج إلى معاملة مختلفة.
حسن فقيري.. الاسم الذي كان على قدر المهمة
في وسط هذا الزحام، كان هناك رجل اختار أن يكون في قلب الحدث.
المقدم حسن فقيري.
لم يكتفِ بالجلوس في مكتب وإصدار التوجيهات، بل كان موجوداً بين المواطنين، يتابع ويتحرك ويحل المشكلات، ويعمل مع فريق موظفي السفارة، إلى جانب مدير بيت السودان اللواء معاش عبدالحميد حسن.
من الثامنة صباحاً حتى المساء.
وفي يوم تجاوز فيه الحضور 500 شخص.
وهنا نقولها دون مجاملة:
المقدم حسن كان حسناً بحق.
فالإدارة الحقيقية ليست مكتباً وكرسياً وتوقيعاً.
الإدارة الحقيقية أن تقف وسط الناس عندما ترتفع درجات الحرارة، ويزداد الزحام، وتتعقد الحالات، وتختلف المطالب.
والشكر كذلك للعقيد وليد سيد أحمد، برئاسة جوازات السفارة، على حسن اختياره للمقدم حسن فقيري لهذه المهمة.
لكن النجاح لا يعني أن التجربة بلا أخطاء
نحن لا نكتب لنصفق فقط.
ولا ننتقد لكي نهدم.
بل نكتب لأن التجربة يمكن أن تصبح أفضل.
والذي حدث اليوم يجب أن يكون درساً تنظيمياً للأيام القادمة.
أبرز الملاحظات تتعلق بالتسجيل، والانتظار، وتصنيف الحالات، وحركة موظفي الاستقبال.
أولاً: لا للأوراق المتفرقة
عندما يكون أمامك أكثر من 500 مواطن، فإن تسجيل الأسماء على أوراق متفرقة ليس النظام الأمثل.
المطلوب نظام واضح:
تسجيل → تصنيف → رقم → انتظار → خدمة → تسليم.
ثانياً: التذاكر أفضل من الأسماء
لماذا لا يتم اعتماد نظام التذاكر؟
مثلاً:
أ – الحالات الإنسانية والصحية العاجلة.
ب – الأسر والحالات التي تحتاج إلى تنظيم خاص.
ج – الحالات العادية.
ثم يحمل المواطن رقماً واضحاً:
أ 001 – أ 002 – أ 003
وهكذا.
عندها لا يحتاج المواطن إلى الوقوف طوال اليوم.
يعرف رقمه.
ويعرف فئته.
ويعرف دوره.
ثالثاً: المرضى وكبار السن ليسوا طابوراً عادياً
لا يجوز أن يقف مريض القلب بجوار شاب في كامل صحته.
ولا أن تنتظر امرأة كبيرة في السن ساعات مثل غيرها.
ولا أن تحمل أم أطفالها وتنتظر في الزحام.
العدالة ليست أن نعطي الجميع المعاملة نفسها؛ العدالة أن نعطي كل إنسان ما يحتاجه وفق حالته.
رابعاً: موظفو الاستقبال يحتاجون إلى أماكن ثابتة
من أهم نقاط التنظيم أن يكون لكل موظف موقع واضح.
موظف التسجيل في مكان.
موظف التصنيف في مكان.
موظف التذاكر في مكان.
موظف الخدمة في مكان.
موظف التسليم في مكان.
ولا ينبغي أن يتجول موظفو الاستقبال وسط الجمهور بصورة تزيد الارتباك.
المواطن يجب أن يعرف أين يبدأ، وأين ينتظر، وأين ينتهي.
خامساً: نحتاج إلى زيادة الموظفين.. ولكن باختيار دقيق
زيادة العدد وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى موظفين يتم اختيارهم وفق معايير واضحة:
الهدوء – الاحترام – الصبر – سرعة البديهة – القدرة على التعامل مع الجمهور – الالتزام – العمل الجماعي.
فالموظف الذي يقف أمام المواطن ليس موظفاً عادياً.
إنه في تلك اللحظة يمثل السفارة والدولة والسودان.
سادساً: لماذا لا نصل إلى التسليم في اليوم نفسه؟
إذا كانت الإمكانيات تسمح، فإن أفضل نموذج هو:
«تعال مرة واحدة.. وأنهِ معاملتك مرة واحدة.»
وإذا تعذر إصدار الوثيقة في اليوم نفسه، فليُعطَ المواطن موعد استلام محدداً ورقماً واضحاً.
لا نريد أن يأتي المواطن اليوم ليسجل، وغداً ليسأل، وبعد غدٍ ليستلم.
فهذا استنزاف للإنسان والوقت والمال.
خطة تشغيلية لبيت السودان
أقترح اعتماد نموذج دائم:
1. بوابة استقبال.
2. فرز أولي للحالات.
3. إصدار تذكرة إلكترونية أو ورقية مرقمة.
4. مسار خاص للحالات الإنسانية.
5. منطقة انتظار منظمة ومقاعد كافية.
6. شبابيك متعددة حسب حجم الحضور.
7. مسؤول ميداني واحد لإدارة الحشود.
8. نداء بالأرقام بدلاً من المناداة العشوائية بالأسماء.
9. نقطة مستقلة للاستلام.
10. تقييم يومي للتجربة وتصحيح الأخطاء فوراً.
وإذا أمكن مستقبلاً، يكون هناك تسجيل إلكتروني مسبق يحدد للمواطن موعد حضوره، فيصبح بيت السودان مركز خدمة لا مركز انتظار.
والأهم.. لا نريد أن ينتهي الأمر بانتهاء الحملة
هذه التجربة يجب أن تكون بداية.
لماذا لا يعود بيت السودان مركزاً دائماً لخدمة الجالية؟
لماذا لا يصبح مكاناً للفعاليات الثقافية والاجتماعية؟
لماذا لا يستقبل الحالات الإنسانية؟
لماذا لا يكون مركزاً للتواصل مع السودانيين؟
لماذا لا نستعيد البيت الذي كان ذات يوم عنواناً للسودانيين في القاهرة؟
بيت السودان ليس جدراناً.
بيت السودان فكرة.
وهوية.
وذاكرة.
ومكان يجب أن يشعر فيه السوداني أنه ليس غريباً.
رسالة إلى السفارة
إن ما حدث اليوم يؤكد أن هناك حاجة حقيقية ومتزايدة للخدمات القنصلية.
ولذلك فإن المطلوب ليس فقط معالجة زحام اليوم.
بل بناء نظام مستدام للخدمة.
نظام يحفظ كرامة المواطن.
ويقلل زمن الانتظار.
ويمنع الفوضى.
ويعطي الأولوية لمن يستحقها.
ويستخدم التكنولوجيا حيثما أمكن.
ويختار الموظف المناسب للمكان المناسب.
وفي الختام
كل الشكر والتقدير للمقدم حسن فقيري على ما بذله اليوم.
وشكراً للعقيد وليد سيد أحمد على حسن الاختيار.
وشكراً للواء معاش عبدالحميد حسن مدير بيت السودان.
وشكراً لكل موظف وقف منذ الصباح حتى المساء لخدمة المواطنين.
لكن أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم ليس التصفيق.
أن نساعدهم على تحويل تجربة اليوم إلى نظام أفضل غداً.
فالنجاح الحقيقي ليس أن ندير 500 مواطن في يوم.
بل أن نستطيع غداً إدارة 1000 مواطن بوقت أقل، وفوضى أقل، وكرامة أكبر.
ولذلك أقول:
بيت السودان يجب ألا يعود مجرد مبنى مفتوحاً.
بل يجب أن يعود بيتاً حياً للسودانيين.
وإذا كان السودانيون اليوم يستخرجون منه وثائق العودة، فليكن بيت السودان نفسه بداية الطريق إلى عودة السودان.

مقالات ذات صلة