منذ أن ظهر محمد سيد أحمد الجاكومي رئيساً لكيان ومسار الشمال، ارتفع سقف الوعود بصورة كبيرة، قيل إن اتفاق جوبا سيعيد للشمال حقوقه، وإن نسبة من عائدات الموارد ستعود إلى أهل المنطقة، وإن مشروعات التنمية والبنية التحتية ستشهد تحولاً حقيقياً.
بل تحدث الجاكومي عن أن 90% من التهميش موجود في الشمال، واعتبر أن مسار الشمال جاء لمعالجة هذا التهميش التاريخي.
لكن بعد كل هذه السنوات، يبقى السؤال الذي يهم المواطن البسيط: ماذا تغير فعلياً في حياته؟
المشكلة ليست في أن الجاكومي لم يرفع شعارات الدفاع عن الشمال؛ فقد فعل ذلك كثيراً. وليست المشكلة أيضاً في أن اتفاق جوبا لم يتضمن مكاسب معلنة؛ فقد تحدث الجاكومي عن حصول الشمال على 30% من عائدات الثروة، وعن إعفاء الطلاب من الرسوم الدراسية، وغيرها من الاستحقاقات.
المشكلة الحقيقية هي الفجوة الكبيرة بين الوعود السياسية والنتائج على الأرض.
هل عاش الجاكومي معاناة الشمال؟
هنا يبرز سؤال حساس لا يتعلق بالانتماء القبلي أو العائلي، وإنما بالتجربة اليومية.
الجاكومي نفسه قال في مقابلة إنه من قنتي ويمتلك أرضاً فيها، لكنه أوضح أيضاً أنه وُلد في الوسط وأن والده ووالدته من الشمال.
وهذا يجعل من حق أبناء الشمالية أن يسألوا: هل يستطيع من لم يولد ويترعرع في تفاصيل الحياة اليومية للشمالية أن يشعر بمعاناتها بنفس الدرجة التي يشعر بها من عاش فيها؟
المواطن الذي ينتظر الكهرباء والسد على مرمى حجر منه، ويبحث عن الماء في حين نهر النيل ينهمر من جنوب الشمالية الى شمالها ، ويعاني من تدهور الطرق، ويرى الزراعة والحيوان يتأثران بالعطش، لا يريد ممثلاً يجيد الحديث عن حقوقه فقط؛ بل يريد ممثلاً يستطيع أن يحول هذه الحقوق إلى مشروعات وخدمات وأرقام يراها المواطن أمامه.
وجوده في المركز.. فأين أثره على الشمالية؟
هذه ربما أهم نقطة في تقييم تجربة الجاكومي.
فالرجل لم يكن مجرد ناشط بعيد عن دوائر القرار؛ بل كان جزءاً من المشهد السياسي المركزي، والتقى بقيادات الدولة، وكان رئيساً لمسار الشمال في اتفاق جوبا.
ومع ذلك، فإن الجاكومي نفسه أقر في تصريحات سابقة بأن مسار الشمال لم يتحرك بخطوات إيجابية بعد التوقيع، وأن نسبة الـ30% المتفق عليها لم تُنفذ.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كان المسار لم ينفذ، وإذا كانت الاستحقاقات لم تصل إلى المواطن، وإذا كانت التنمية التي وُعد بها الشمال لم تتحول إلى واقع، فما قيمة وجود ممثل للشمال داخل المركز طوال هذه الفترة؟
السياسي لا يُقاس بعدد المؤتمرات التي حضرها، ولا بعدد التصريحات التي أدلى بها، وإنما بما يستطيع أن ينتزعه من حقوق لأهل منطقته.
الشمالية اليوم تحتاج إلى أفعال لا شعارات
المواطن في الشمالية لا يعيش أزمة سياسية مجردة؛ إنه يعيش مشكلات يومية.
هناك أزمة كهرباء تضغط على الحياة والخدمات والإنتاج، ومشكلات في المياه والعطش تمس الإنسان والحيوان والزراعة، بينما تبقى البنية التحتية والطرق من الملفات التي تحتاج إلى صيانة وتطوير مستمرين.
والشمالية ليست منطقة هامشية من حيث مساهمتها في اقتصاد السودان، ولذلك فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
كيف يمكن لمنطقة بهذه الأهمية الاقتصادية والجغرافية أن تظل تعاني من ضعف الخدمات والبنية التحتية؟
الطرق المسفلتة محدودة أصلاً، وما هو موجود منها يتعرض للاستهلاك والحمولات والسيول، وتظل الحاجة إلى الصيانة وإعادة التأهيل قائمة، وفي منطقة تعتمد على الزراعة والحركة التجارية ونقل المنتجات، فإن الطريق ليس رفاهية؛ إنه شريان اقتصادي.
وكذلك الكهرباء والمياه ليستا ملفين ثانويين يمكن تأجيلهما إلى أجل غير مسمى، فكل ساعة انقطاع وكل أزمة مياه تنعكس مباشرة على المواطن والمزارع والتاجر وصاحب الماشية.
اتفاق جوبا على الورق.. والشمال في الواقع
أعلن الجاكومي أن اتفاق جوبا حقق للشمال نسبة 30% من الثروة، وأنها كانت في الأصل مطالب أقل ثم ارتفعت إلى هذه النسبة.
لكن المواطن لا يأكل النسب المئوية المكتوبة في الاتفاقيات.
المواطن يريد أن يعرف:
أين المدارس التي بُنيت؟
أين المستشفيات التي طُورت؟
أين مشاريع المياه؟
أين شبكات الكهرباء؟
أين الطرق التي أُعيد تأهيلها؟
أين مشروعات الزراعة؟
أين الأموال التي يفترض أن تعود إلى الولاية من مواردها؟
وأين الحساب الواضح لما تم تحصيله وما تم إنفاقه؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يُجاب عنها بالأرقام، لا بالخطب السياسية.
النقد ليس إنكاراً لكل ما فعله الجاكومي
ومن الإنصاف القول إن تحميل الجاكومي وحده كل مشكلات الشمالية سيكون غير دقيق.
فالحكومة المركزية، وحكومات الولايات، والوزارات المختصة، والظروف الاقتصادية والحرب، كلها عوامل تؤثر في الخدمات والتنمية.
لكن في المقابل، لا يمكن أن يرفع السياسي نفسه باعتباره صوت الشمال والمدافع عن حقوقه ثم يطلب من المواطن ألا يسأله عن حصيلة هذا الدور.
والجاكومي نفسه كان قد قال إن مسار الشمال لم يبدأ تنفيذ برامجه، وإن التنمية المفقودة في الشمال كان يفترض أن تتغير.
لذلك فإن النقد هنا ليس اتهاماً شخصياً، وإنما تقييم سياسي للأداء.
الشمال لا يحتاج إلى ممثل في الخرطوم فقط
الشمالية تحتاج إلى سياسي تكون أولوياته واضحة:
الكهرباء أولاً،
المياه أولاً،
الطرق أولاً،
الزراعة أولاً،
الصحة والتعليم أولاً،
وحماية الأراضي والموارد أولاً.
أما أن يكون للشمال ممثل في المركز، بينما المواطن في الشمالية يسأل عن الماء والكهرباء والطريق والمستشفى، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة.
لقد سمع أبناء الشمال كثيراً عن 30% من الثروة، وعن الحقوق والاستحقاقات، وعن التنمية الموعودة، لكن بعد سنوات، من حق المواطن أن ينتقل من سؤال:
“ماذا نص الاتفاق؟”
إلى السؤال الأهم:
“ماذا وصل إلينا فعلاً؟”
وهنا تحديداً يجب أن يخضع أداء الجاكومي وكيان الشمال للمحاسبة السياسية.
فالشمالية لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها في الخرطوم فقط؛ بل تحتاج إلى من يجعل كهرباء قريتها، ومياه أهلها، وطريقها، وزراعتها، وصحة مواطنيها، ومستقبل أبنائها قضايا لا يستطيع المركز تجاهلها.
وفي النهاية، فإن معيار نجاح مسار الشمال ليس قوة الخطاب، ولا عدد التصريحات، ولا حجم الوعود؛ وإنما مقدار التحسن الذي يشعر به المواطن الشمالي في حياته اليومية.
وإذا ظل الواقع كما هو، فمن حق الناس أن يسألوا بصراحة: أين ذهب مسار الشمال؟ وماذا حقق الجاكومي للشمالية؟



