*يا الله… كم احبك يا مدني…!* علي عسكوري ١٧ ديسمبر ٢٠٢٣*

*يا الله… كم احبك يا مدني…!*

علي عسكوري
١٧ ديسمبر ٢٠٢٣

*مدخل*

مثل كل الناس اصابني قلق وتوتر شديد وانا اتابع اقتراب المليشيا المتمردة من مدينة وادمدنى لتخريبها كما خربت العاصمة والمدن والقري الاخري. وحمدت الله كثيرا وتنفست الصعداء وانا اتابع استبسال الجيش والقوات الامنية الاخري والمواطنين في الدفاع عن مدينتهم وحمايتها من (وغش) تتار الالفية الثالثة.
كان الناس في سالف العصر والاوان ربما حتي عقد السبعينات من القرن الماضي في غالب شمال السودان يعتبرون مدنى مما يطلقون عليه الصعيد. وكنا نسمع بالجزيرة ومدنى عند اعياد حصاد القطن والاغاني التى تمجد ذلك في اذاعة ام درمان اذ لم تكن اجهزة التلفاز قد انتشرت وقتها كما ان اجهزة الراديو نفسها كانت قليلة في القرى. كنا ايضا نسمع عن قرى الجزيرة المختلفة اما في نشرة الثامنة مساء حيث تتم اذاعة اخبار المتوفين ومكان اقامة المأتم او في برنامج ما يطلبه المستعمون الذي كان يقدم صبيحة الجمعة من كل اسبوع، وكان اهل الجزيرة من اكثر الناس مشاركة بطلبات الاغانى في ذلك البرنامج.

وكنا عندما نسأل اهلنا عن تلك القرى والمناطق التي يرد ذكرها يكون ردهم:” عايزين بيهاةشنو …. دى محلات بعيدة في الصعيد”! حقيقة، لم يشرحوا لنا يوما اين يقع هذا “الصعيد”، كما اننا لم نسألهم كم يبعد عن قريتنا! ولكن ترسخ في عقولنا ونحن صغار ان هنالك منطقة او جهة اسمها “الصعيد” فيها مدني وقري اخري كثيرة يحب اهلها برنامج ما يطلبه المستعمون ويحرصون على اذاعة اخبار موتاهم في نشرة الثامنة مساء ويزرعون القطن..!

كان ذلك مبلغ علمنا عن مدني وعن الجزيرة التى كنا نعتبرها كتلة صماء.

واذكر قصة رواها لى جدى رحمه الله ان الخواجة الذى نفذ خزان سنار اخذ عمالة كثيرة لموقع الخزان من مناطق مختلفة من شمال السودان ليعملوا في بناء الخزان بوعد أن يمنحهم حواشات في المشروع بجانب الاجر بعد اكتمال العمل، كان من ضمنهم اثنين من منطقتنا وكانوا في ريعان شبابهم. فذهبا الى سنار وبداء العمل. ثم بعد ايام معدودة، قال احدهم للآخر: ” دى غربة كعبة شديد… البرجعنا اهلنا تاني شنو”! و في المساء اتفقا على الهروب من معسكر العمل وترك “الغربة” وترك الجمل بما حمل!

وتمر الايام والسنوات واجلس لامتحان الشهادة السودانية من عطبرة الحكومية العام ١٩٧٨. وبعد اعلان النتيجة التى كانت تذاع من المذياع ويتابعها تقريبا كل السودان خاصة اسر الطلبة الممتحنين. لقد كان الدخول للجامعة وقتئذ امرا صعبا. واذكر ان الجالسين للامتحان ذلك العام كان ٦٨ الف وكان عدد المقاعد داخل السودان الفين فقط!
تم قبولي ضمن الدفعة الاولى بجامعة الجزيرة التى كان بها اربعة كليات فقط وقبلت في كلية الاقتصاد.
فرح ابي رحمه الله فرحا كبير وأولم وفرحت الحلة بكاملها، لقد كان الدخول للجامعات وقتها حدثا مهما.

بعد أيام.. ورغم فرحته… ارسل لى والدى في الخرطوم (كنت وقتها في الخرطوم) خطابا يقول فيه: ” يا ولدى مبروك … لكن مدني دى بعيدة ما تخليها نشوف ليك الكلية الحربية”! وفهمت ما “يعنى”؛ فكتبت له لتطمينه انني سأكون ابنا مسؤلا و سأهتم بنفسي وبدراستي وعليه الا يقلق ( تطمينات أقرب للكذب)! لقد كنت شابا يهوي الحياة وكان هو رحمه الله يعلم ذلك..! الآن فقط بعد ان صار لنا ابناء اصبحنا نعلم مستوى القلق الذي ينتاب الاباء والامهات علي ابنائهم، لكنها طبيعة الانسان في أطوار حياته المختلفة.

في شهر ديسمبر اخذنا بص شركة مواصلات الجزيرة من السوق الشعبي الخرطوم بعد الظهر في معية شقيقي الاكبر واحد اقربائنا رحمه الله. اذكر ان تذكرة البص كانت ٧٥ قرشا فقط!

*في مدني*

كانت اقصي منطقة اعرفها جنوب شرق الخرطوم هي مستشفي سوبا الجامعى؛ اما المناطق بعده فكانت تعني لى المجهول. والبص في سيره كنت انظر يمينا ويسارا لمعرفة الطبوغرافيا وطبيعة الحياة والقري. كان اشد مالفت انتباهي هو انبساط الارض بدون جبال او صخور؛ اما الامر الثاني الذي لازمنى لسنين طويلة هو حقيقة ان هنالك قرى وحياة بعيدة عن النيل تماما..! نحن في شمال السودان تشكل فهمنا للحياة ان القري والحياة تكون على ضفة النيل فقط، اما ان تكون هنالك قري بعيدة عن النيل فذلك امر أثار استغرابي بشدة! وكنت أسال نفسي: كيف يعيش الناس بعيدا عن ضفة النيل لماذا لا يرحلون على الضفة وهنالك مساحات فاضية. في البدء قلت لنفسي ربما هنالك نزاع في الارض بين الناس لذلك لم يسمح لهم السكن على الضفة. وعلى كل ظلت حقيقة ان بعض الناس يسكنون بعيدا عن النيل تثير استغرابي، فالجغرافيا تشكل جزءا اساسيا من وعينا بالاشياء ولكننا لا نستبين ذلك الا عندما نصطدم بجغرافيا مخالفة لتلك التى تعودنا عليها.

كان قيام الجامعة امرا جوهريا للجزيرة بصورة عامة ولمدنى بصورة خاصة. فقد كانت الجزيرة بالفعل تستحق جامعة خاصة بها وقد تأخر انشاؤها كثيرا. وكان من فضل الله علي ان اكون أحد طلاب الدفعة الاولى وشهدت الجامعة تنمو يوما بعد يوم مباني ومكتبات ومعامل وطلاب.

وان كان الفضل في بناء جامعة الخرطوم يعود للبريطانيين، فجامعة الجزيرة يعود الفضل فيها لابناء مدني ولكفاءات سودانية خالصة. يعود الفضل في الموافقة على قيام الجامعة ومعها جامعة جوبا للراحل منصور خالد (عليه الرحمة) حينما كان وزيرا للتعليم و من بعده اساتذتنا الراحل بروف محمد العبيد المبارك الذي استلم الجامعة كقطعة ارض فقط فى النشيشيبة بجانب مبني مكتبة الكلية الاعدادية وعاونه في تأسيس الجامعة نفر كريم من العلماء نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر البروف على محمد الحسن نائب المدير وعميد كلية الاقتصاد، وزميله الراحل بروف على عبد القادر، والبروف الراحل يوسف قمر، والبروف بشير حمد عميد كلية الطب و الراحل بروف جحا عميد كلية الزراعة وغيرهم كثيرين تتلمذنا على ايديهم، لمن رحل منهم الرحمة والمغفرة ولمن على قيد الحياة الدعوة بالصحة والعافية.
كان اهالى مدنى جميعا (يعشقون) جامعتهم ورأوا فيها منافسة لجامعة الخرطوم في اطار المنافسة الجميلة التى كانت قائمة بينها وبين الخرطوم.
فتح لنا اهل مدنى أبواب منازلهم وادخلونا على اسرهم واعتبرونا جزء من مجتمعهم. كانوا يأتوا ليأخذونا للاعراس والافطارات وكل مناسباتهم وكانوا يعرفون طلاب الجامعة اينما ظهروا فأهل المدينة كانوا في الغالب العام يعرفون بعضهم بعضا، وكان سهلا عليهم معرفة طلاب الجامعة. وكنا محل ترحابهم اينما حللنا حتى التجار في السوق يخفضون الاسعار عندما نشتري منهم.
كانت مدني مدينة حية بكل معنى الكلمة فيها كل ما تشتهي الانفس لشباب في عمرنا. احبوا الطلاب بعمق وبادلهم الطلاب الحب وتمعق ارتباط الطلاب بالمدينة.
أصبحت الجامعة قبلة لمثقفيهم ومبدعيهم من كل حدب وصوب، وهكذا صارت قبلتهم للنشاط السياسي والاجتماعي مما زاد ارتباطهم بها. ودون شك منذ سنواتها الاولى احدثت الجامعة نقلة نوعية كبيرة جدا في حياة المدينة.

ورغم ان اساتذتنا الذين اسسوا الجامعة طبقوا فيها نهجا اكاديما صارما، الا ان ذلك لم يمنع الطلاب من التفاعل مع المدينة وسكانها واستضافة النشاطات المختلفة من المدينة ومن خارجها.
ورغم ان طلاب الجامعة كانوا من مختلف مناطق السودان، الا انهم جميعا يتفقون على ان أهل مدنى نسيج مختلف تماما. قدر لا يوصف من الود والطيبة والتسامح والاريحية وخصال لا تحصي من الرقي والالفة تقابلك اينما حللت.
ومن القصص التى اذكرها ان بعض اصدقائنا دخلوا في (شمطة) امسية احد (الخمايس) فاخذهم العسكرى الى قسم الشرطة ووجدوا هنالك (صول) في القسم فسألهم واخبروه انهم طلبة في الجامعة فما كان منه الا ان قال: ” الله.. طلبة في الجامعة…! والله ما ادخلكم الحراسة… يا الله امشوا وتاني اعملوا حسابكم”!

كانت مدنى مدينة وادعة يعيش اهلها في ود وتحابب لا يعرفون العنف ولا المشاكل، الجميع يعيش في انسجام غريب. ينشرون الفن والغناء والرياضة والادب والثقافة، لا يعرفون الكراهية ولا يعرفون التطرف مدينة هى عروس المدن واهلها فيض و ينبوع من ود ورقي وحضارة. هكذا كان اهلها وسيظلون.

امضينا فيها ست اعوام كان من اجمل سنيين عمرنا، بل حقيقة كانت العمر كله.

ورغم اننى امضيت قرابة الثلاثة عقود في لندن، إلا انني لم اشعر قط بذلك القدر من الانتماء الذى شعرته في ستة اعوام لمدني. فالمدن حقيقة مثل النساء لكل واحدة مذاقها واريجها وعبقها ودلها، وعواطفها واحاسيسها.

والان في هذا الزمن الاغبر البائس يأتي هولاء الاوباش لتدمير ذلك المجتمع الجميل الذي انصهرت فيه كل قوميات السودان في انسجام لا مثيل له. يريدوا ان يخربوا ذلك الجمال و تلك الإلفة يا لهم من اوغاد جهلة لا هم لهم سوي الخراب، فهم حقيقة (البوم البعجبوا الخراب)!
سعدت كثيرا بالصمود والدفاع القوى للقوات المسلحة وللمواطنين بالمدينة ودفاعهم عنها، ولتبقي المدينة كعهدنا بها عاصمة للفن والادب والجمال وهي حقيقة كذلك.

وليشهد الله يا اهل مدنى واهل الجزيرة انى احبكم، فأفضالكم علي وعلى كثير من زملائي لا تحص ولا تعد.
دائما في القلب

هذه الأرض لنا

مقالات ذات صلة