*تنشيط الذاكرة.. شخصيات منسية.. محمد خليل بتيك*

ولد السيد محمد خليل بتيك بحلفا دغيم في عام ١٩١١م تقريبا.. ووالدته هى نفيسة حسن بتيك وكان والدها تاجراً كبيراً ومزارعا ورجلا صالحا زهد في الدنيا وتفرغ للعبادة وال بتيك من الولياب وهم فرع كبير من النوبيين وكان خليل بتيك يعمل وكيل بوستة وتلغراف وهو من أوائل الموظفين بالمنطقة وابنه الوحيد هو محمد وله ابنه من إمرأة أخرى تزوجها عندما كان يعمل بالدامر.
ودرس محمد خليل بتيك المدرسة الأولية بحلفا دغيم وأتم المرحلة الوسطى بمدرسة حلفا الأميرية الوسطى وكان زميله في الدراسة هو السيد صالح محمد طاهر من أبناء وادي حلفا الذي تدرج في السلك الإداري حتى بلغ منصب رئيس مجلس تنفيذي إبان عهد عبود وهو موقع يعادل مدير مديرية.. قبل محمد خليل بتيك بكلية غردون التذكارية. والتحق بعد ذلك بمدرسة الإدارة والبوليس وبعد تخرجه عين ضابط بوليس ثم تحول للإدارة وعمل بمراكز ومجالس مختلفة. وفي عام ١٩٥٢م كان مفتشا لمركز حلفا وفي عام ١٩٥٤ م كان نائبا لمدير المديرية الشمالية وفي عام ١٩٥٥م نقل للخرطوم وعمل مساعداً الوكيل وزارة الداخلية. وفي عام ١٩٥٧م عين مديرا لمديرية الخرطوم خلفا للسيد- علام حسن علام- واستمر في موقعه هذا حتى استقال وأحيل للتقاعد الإجباري قبل بلوغه سن المعاش لاختلافه مع نظام عبود واحتجاجه على الظلم الذي يعتقد أنه حاق بالنوبيين في الهجرة والتعويضات الظالمة المجحفة غير المجزية وكان حزينا على ضياع إرث حضاري عريق، وطيلة فترة عمله بالحكومة عرف بتيك بالاستقامة والحزم والصرامة والشدة في الحق وكان يردد دائما أمام رؤسائه ومرؤوسيه ليكن شعارنا المرفوع ، لا تكذب لا تسرق. وكان البعض بصفه بأنه إداري صعب» وعند زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للسودان
في عام ١٩٦٠ منح السيد محمد خليل بتيك مدير مديرية الخرطوم وسام الجدارة ونال بتيك أوسمة ووشاحات تقديرية عديدة بالداخل والخارج وكان بتيك صديقا حميما للأمير بير نهارد زوج الملكة جوليانا ملكة هولندا السابقة ووالد الملكة كريستينا ملكة هولندا الحالية. وقد التقى بتيك ببير نهاره في انجلترا في عام ١٩٤٨م وحدثه عن حلفا القديمة والحضارة النوبية العريقة، وعندما كان بتيك مفتشاً لمركز حلفا زارة الأمير ببرنهاره وأعجب بحلفا وطبيعتها الساحرة الخلابة ووقف على الآثار الدالة على عراقة الحضارة النوبية واستهواه النيل وكانت من هواياته صيد التماسيح تم طفق يزور حلفا سنويا وكان يصحبه بتيك حتى بعد نقله للخرطوم بإذن من السكرتير الإداري والحاكم العام . وكان الأمير بيرنهارد يزور سنويا تنجانيقا التى يمتلك فيها حديقة خاصة وكان بتيك . يستقبله عند توقف طائرته الخاصة بمطار الخرطوم ويقيم له حفل غداء وهو فى طريقه . لتنجانيقا ثم يستقبله ويقيم له حفل غداء آخر عند أوبته ومروره بمطار الخرطوم وهو في طريقة لهولندا، وعندما زار بتيك هولندا تلبية للدعوة الشخصية التي وجهها له صديقه . الأمير بيرنهارد استقبلته الأسرة المالكة استقبالا طيباً واحتفت به وأكرمته وتقديرا له اهدته مفتاح مدينة امستردام من الذهب رمزاً للصداقة بينهم. ووقف الأمير بيرنهارد موفقا كريماً مشرقا يدل على نيله وخلقه الرفيع فعندما علم من سفير هولندا بالسودان أن ال صديقه بتيك مدير مديرية الخرطوم قد استقال أو أقيل من موقعه قبل خمسة أيام حضر -الأمير فوراً وبطائرته الخاصة واخطر المسؤولين بالخرطوم بهذه الزيارة قبل وصوله. ومن المطار اتجه للفندق الكبير وقضى وقتاً قصيراً ومن هناك اتجه للقصر الجمهوري وعند مقابلته للرئيس عبود التمس منه أن يعيد بتيك للخدمة فرد عليه عبود بأن بتيك هو الذي احتد معهم وطلب منهم إقالته وأنهم لا يمانعون في إعادته للخدمة، واتجه الأمير لمنزل بتيك وفي معيته بعض الحرس السودانيين. وجرى العرف أن يبقى المسؤول بعد إعفانه عدة أشهر بمنزله الرسمي ولكنهم عندما وصلوا المنزل علموا أن بتيك أخلاه في نفس يوم إعفائه وأرسل أسرته لحلفا الجديدة وبحثوا عن حرصه القديم وعلموا منه أنه يقيم لكونده شعبية عادية تعج بالنزلاء وتقع بالقرب من مستشفى الخرطوم. وفوجئ بتيك -بزيارة الأمير الذي أخذه معه للفندق الكبير وأخبر بتيك الأمير أنه لن يعمل مع هؤلا وحضر اللواء حسن بشير نصر والأميرلاي المقبول الأمين الحاج للفندق الكبير مبعوثين من الرئيس عبود مقابلة الأمير واقناع بتيك والاتفاق معه للرجوع للعمل ورد عليهم بتيك بانه قد استخار الله سبحانه وتعالى وفي الخيرة إشارة واضحة لعدم العودة للعمل معهم مرة .
وعندما أدرك الأمير استحالة اقناع صديقه بتيك بالعودة للعمل قال إذا أردت تنفيذ -أي أعمال ومشاريع زراعية أو صناعية أو تجارية فإنني على أتم استعداد لاقدم لك الآن أي مبلغ تطلبه مهما كان ضخما ولك أن تستثمر فى السودان أو فى هولندا فرد عليه بتيك قائلا إن هذه الزيارة الكريمة تدل على نبلك وسمو خلقك وانني اعتبرها قلادة شرف ومصدر فخر واعتزاز ولكنني من ناحية مبدئية أرفض رفضاً قاطعاً سوء استخدام الصداقة والانحراف بها التحقيق المأرب المادية وتكفيني وقفتك المعنوية معي وتحت إلحاح الأمير قال له بتيك ان كنت مصراً على المساعدات المادية فاطلب منك أن تقدم هذا المبلغ للحكومة لتكمل به بعض المشاريع التي بدأتها عندما كنت مديراً لمديرية الخرطوم، وعندما التقى الأمير برنهارد بالرئيس عبود قال له وهو يودعه في طريقه للمطار، لقد ارتفع بتيك في نظري الاف المرات والتزم الأمير للرئيس عبود بتنفيذ كل المشاريع والمنشأت التي بدأها بتيك بولاية الخرطوم وبر الأمير بوعده ودفعت هولندا كل التكاليف.
وعندما اتجه الأمير النبيل للمطار وهو في طريقه لامستردام عاد بتيك للكونده الشعبية ليبدأ مشواراً جديداً في مسيرة حياته. واستبدل جزءً من معاشه وفتح مكتباً تجارياً للاستيراد والتصدير بعمارة بوكشب وكان يدير العمل بمفرده ويعمل معه عامل واحد من أبناء الولايات الجنوبية كان يثق فيه ويعامله كابنه ومرت به حالات كان عليه ان يدفع تسهيلات قليلة لتنساب الأمور بسرعة وسهولة ويحصل على الكثير ولكنه كان
برفض ذلك من منطلق ديني وأخلاقي وذات مرة حصل على تصديق الاستيراد كمية كبيرة من الأسمنت من مصر كانت ستدر عليه أموالا طائلة في زمن وجيز لأن الأسمنت كان نادرا في الأسواق وأسعاره غالية مرتفعة وكان المشترون من التجار ينتظرون بتيك بفارغ الصبر ليكمل الإجراءات ليشتروا منه وفي مرحلة الإجراءات النهائية بدأ بعض الموظفين يتباطاون ويلمحون بضرورة تقديم رشوة لهم وكانها حق وأخبرهم بتيك بصراحة انه من ناحية مبدئية ودينية لن يقدم رشوة ولو كانت قرشاً واحداً ولا يرضي أن يكون راشيا أو مرتشياً ولا شعوريا امتدت يده للأوراق التي تحوي التصديق والاجراءات المصاحبة
ومزقها خوفاً من ان تكون في العملية كلها ذرة من شبهة فساد وأعلن للموظفين المرتشين أنه يمكن أن يتصدق عليهم بما يستطيعه من مال لوجه الله سبحانه وتعالى إذا كانوا محتاجين وفقد بتيك تلك الصفقة وغيرها من صفقات وضميره مرتاح وكان أصدقاؤه ومنهم الأستاذ يحيى محمد عبد القادر الصحفي المعروف يصفونه( بولي الله بتيك) وفكر بتيك في إغلاق مكتبه التجاري والعودة لحلفا ليعيش فيها حياة بسيطة عامة ويعمل بالزراعة التي تكفل له حياة كريمة مستورة ويقضي وقته بين المنزل والمسجد، وقبل أن ينهي إيجار المكتب ويعلقه قرأ إعلاناً صادراً عن شركة- انجرا- في كرواتيا بشرق أوربا تعلن فيه حاجتها لوكيل للشركة بالسودان تكون له خبرة إدارية ويجيد اللغة الانجليزية وطلبت من كل ستقدم أن يوافيها بسيرته الذاتية ومسيرته العملية. وقدم بتيك طلبة للشركة وقبل فوراً واعتمد وكيلاً لشركة – انجرا- بالسودان وبعد شهر قرأ في جريدة الثورة الناطقة باسم نظام نوفمبر إعلانا عن جلب معدات وماكينات وتركيب مصنع ريك للأسمنت وبعد التشاور مع رئاسة الشركة في كرواتيا تقدم الوكيل محمد خليل بتيك بعطاء لإنشاء وتركيب المصنع وفاز هذا العطاء وأوفت الشركة بكل التزاماتها وقام الوكيل بتيك بكل المهام خير قيام وقام المصنع وشكرته رئاسة الشركة بكرواتيا ومنحته خمسة وعشرين ألف جنيه سوداني وكانت مبلغاً ضخماً بمقاييس تلك الأيام، وبنصيحة وطلب من استاده و قريبه و ابن منطقته السيد ابراهيم أحمد الرمز الوطني المعروف اشترى بتيك منزلين كبيرين بالخرطوم كان بعض ورثة آل المهدي قد عرضوهما للبيع وكانت قيمة ايجار هذين المنزلين هي التي اعتمد عليما بتيك بمشيئة الله اعتماداً رئيسياً في بقية سنوات عمره حتى رحل للعالم الآخر في يوم الجمعة الموافق ٧/١٦ / ١٩٨٤م . واشترى بتيك مما تبقى له من ذاك المبلغ الكبير أسهما في شركة الصمغ العربي واشترى أسهما في مصنع النسيج الأمريكي وقام بشراء ثلاثمائة سهم بقيمة ثلاثمائة جنيه في شركة التأمينات العامة التي أسهم في تأسيسها ضمن عدد من أصدقائه وعلى رأسهم السيد محجوب محمد أحمد شقيق الاستاذ جمال محمد أحمد.
لقد رفض السيد محمد خليل بتيك عندما عمل بالتجارة أي مال فيه شبهة حرام وقرر ان يغلق مكتبه التجاري ففتح الله عليه أبواب الرزق الحلال واسعة. وكم من إداريين صالحين نزيهين رحلوا عن الدنيا وبارك الله سبحانه وتعالى في ذريتهم وفتح لهم أبواب الخير.
*ماذا تعرف عن هذه الشخصية؟

مقالات ذات صلة