شهد العالم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 تغيرات عميقة في النظرة إلى النظام المصرفي العالمي. فبعد أن كانت البنوك الكبرى متعددة الجنسيات تُمثل العمود الفقري للتمويل الدولي والتجارة العالمية، تزايدت المخاوف بشأن هشاشتها ومخاطرها النظامية. هذه المخاوف دفعت العديد من الباحثين والممارسين إلى طرح تساؤل جوهري: هل يمكن أن يتجزأ النظام المصرفي العالمي إلى وحدات أصغر تُعرف بـ “بنوك المجتمع” (Community Banks)، لتكون أكثر قرباً من الأفراد والشركات المحلية وأقل عرضة للأزمات العالمية؟
بدأت فكرة “بنوك المجتمع” تتبلور بشكل أوضح بعد الانهيارات التي طالت مؤسسات مالية كبرى في 2008، حيث تسببت المضاربات المفرطة والاعتماد على أدوات مالية معقدة في انهيار ثقة الجمهور. لاحقاً، أعادت جائحة كورونا ثم أزمة التضخم العالمي إحياء النقاش حول الحاجة إلى نظام مالي بديل أو مكمل للنظام الحالي، يقوم على مؤسسات مصرفية صغيرة الحجم، ذات طابع محلي، تخدم فئات ومجتمعات بعينها. كما طرحت الفكرة في مقالات بأمريكا مره أخرى في التسعينات، الا أنها لم تجد أذنا صاغية حينذاك.
تمتاز بنوك المجتمع بعدة سمات تجعلها جذابة في نظر صانعي السياسات والباحثين:
القرب من العملاء: فهي مؤسسات محلية تعرف جيداً حاجات الأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
التركيز على الاقتصاد الحقيقي: تميل هذه البنوك إلى تمويل الأنشطة الإنتاجية بدلاً من المضاربات المالية.
المرونة والاستقرار المحلي: ارتباطها المحدود بالأسواق المالية العالمية يقلل من تعرضها المباشر للأزمات الدولية.
بناء الثقة المجتمعية: من خلال العلاقات المباشرة مع العملاء، تساهم في تعزيز الثقة المتبادلة.
رغم هذه المزايا، فإن بنوك المجتمع تعاني من عقبات كبيرة تحد من قدرتها على النمو والانتشار:
ضعف رأس المال: يجعلها أقل قدرة على تمويل مشروعات كبرى أو تحمل صدمات مالية.
المنافسة مع البنوك العملاقة: التي تتمتع بقدرات رقمية متقدمة وشبكات واسعة.
الحاجة للتنظيم والحماية: إذ يمكن أن تكون عرضة للانهيار ما لم تحظَ بتشريعات قوية وآليات دعم.
محدودية التكنولوجيا: على الرغم من تقدم “الفينتك” (FinTech)، إلا أن تطبيقها يتطلب استثمارات ضخمة قد لا تكون متاحة لهذه البنوك.
يمكن النظر إلى مستقبل النظام المصرفي العالمي في ضوء ثلاثة سيناريوهات رئيسية: السيناريو المتفائل: توسع بنوك المجتمع: يفترض هذا السيناريو فقداناً متزايداً للثقة في البنوك الكبرى بعد أزمات مالية متكررة، يقابله دعم حكومي ودولي لبنوك المجتمع كوسيلة لتعزيز الاستقرار المالي. كما أن انتشار التكنولوجيا المالية قد يمنح هذه البنوك قدرة أكبر على المنافسة. في هذه الحالة قد تشهد بنوك المجتمع توسعاً ملحوظاً لتصبح ركناً أساسياً في النظام المالي العالمي. السيناريو المعتدل: التعايش والتوازن: يُرجح هذا السيناريو بقاء البنوك العملاقة مسيطرة على التمويل العالمي والتجارة الدولية، في حين تنمو بنوك المجتمع لتخدم الأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ويُتوقع أن يحدث نوع من التكامل بين البنوك الكبيرة والصغيرة من خلال الشراكات والخدمات المشتركة، بينما تلعب شركات التكنولوجيا المالية دوراً محورياً في دعم الطرفين. هذا السيناريو يُعد الأقرب للواقع الحالي والمتوقع مستقبلاً. و السيناريو المتشائم: تراجع دور بنوك المجتمع: في هذا التصور، تستمر هيمنة البنوك العالمية الكبرى بفضل رأس المال الضخم والتقنيات المتقدمة، مما يصعّب على البنوك الصغيرة منافستها. وقد يؤدي ذلك إلى اندماج بنوك المجتمع في مؤسسات أكبر أو خروجها من السوق. النتيجة ستكون استمرار النظام المصرفي العالمي في صورته المركزية الحالية، مع تعرضه لأزمات دورية نتيجة اعتماده الكبير على المؤسسات العملاقة.
خلاصة القول أنه من غير المرجح أن يتجزأ النظام المصرفي العالمي بالكامل إلى بنوك مجتمع فقط، لكن المرجح أن نشهد مزيجاً متوازناً يجمع بين البنوك العملاقة، والبنوك المحلية/المجتمعية، وشركات التكنولوجيا المالية. هذا التعايش قد يخلق منظومة مالية أكثر تنوعاً واستقراراً، بحيث يلبي كل طرف احتياجات فئة معينة من العملاء، ويكمل أحدهم الآخر. وبالتالي، فإن السيناريو الأقرب للتحقق هو السيناريو المعتدل، حيث تستمر البنوك الكبرى في لعب دورها العالمي، بينما تنمو بنوك المجتمع والتكنولوجيا المالية لتؤدي أدواراً محلية ومجتمعية أساسية، في نظام مالي متعدد المستويات وأكثر استجابة للتحديات المستقبلية.