ما كُشف في ملف الشركة السودانية للموارد المعدنية لا يمكن التعامل معه كفضيحة مالية أو خبر عابر أو حتى كقضية فساد كبيرة ثم نغلق القوس وننتقل إلى غيره ما كُشف هو لحظة تعرية كاملة لطبيعة الحكم ولطريقة إدارة الدولة وللحد الذي وصلت إليه السلطة في حماية نفسها على حساب القانون والمال العام وكرامة الإنسان
القضية هنا لا تبدأ من رقم 440 مليار جنيه رغم فداحته ولا تنتهي عند لجنة تحقيق حُلّت أو تقرير أُوقف القضية أعمق بكثير إنها قضية دولة قررت أن تعيش بلا مرآة بلا مراجعة بلا محاسبة لأن رؤية الحقيقة أصبحت خطراً وجودياً عليها
أربعمائة وأربعون مليار جنيه ليست مجرد مبلغ منهوب بل اختبار أخلاقي وسياسي سقطت فيه السلطة سقوطاً مدوياً هذا المبلغ يعني آلاف الفرص الضائعة وملايين الوجبات التي لم تصل ومئات المرافق التي لم تُبن لكنه في ميزان الحكم يعني شيئاً آخر تماماً يعني الحفاظ على شبكة النفوذ متماسكة مهما كان الثمن
حين خرج ديوان المراجع القومي بتقريره لم يفعل أكثر من واجبه الطبيعي لم يرفع شعاراً سياسياً ولم يخاطب الشارع بل خاطب الدولة بلغتها الرسمية الأرقام والمستندات والقانون لكن الرد لم يكن قانونياً بل سياسياً لم يكن مؤسسياً بل سلطوياً لم يكن دفاعاً بل هجوماً
حل لجنة التحقيق لم يكن إجراءً إدارياً بريئاً بل كان رسالة واضحة لكل من يفكر في الاقتراب من الملفات الحساسة أن الثمن سيكون كسر الأدوات لا تصحيح الأخطاء وإيقاف التقرير لم يكن اختلافاً في التقدير بل كان خوفاً من ومنع المراجعة لم يكن ظرفاً استثنائياً بل سياسة ثابتة
وهنا تتجاوز القضية حدود شركة الموارد المعدنية لتصل إلى قلب الدولة نفسها عندما تُمنع مؤسسة رقابية من مراجعة حسابات مجلس السيادة ومجلس الوزراء فنحن لا نتحدث عن خلل إداري بل عن تعطيل متعمد لفكرة الرقابة من أساسها أي عن إلغاء صريح لمبدأ المساءلة
الأخطر أن هذا المنع لم يأتِ من فراغ بل جاء بتدخل سيادي مباشر بحسب ما أكدته مصادر من داخل ديوان المراجع وهذا التدخل لا يمكن فهمه إلا باعتباره قراراً سياسياً بحماية الملفات لا فتحها وبحماية المتورطين لا محاسبتهم وبحماية النفوذ لا المال العام
السؤال هنا ليس سؤال صحافة بل سؤال دولة من أعطى أي جهة مهما كانت سلطتها حق تعطيل القانون ومن قرر أن السيادة تعلو على المحاسبة ومن أقنع نفسه أن حماية الفساد يمكن أن يكون طريقاً للاستقرار
التحليل البسيط للجريمة يقول إن أي سلطة تخاف من المراجعة هي سلطة تعرف أنها سارقه وأي دولة تكسر مؤسسات الرقابة هي دولة تعترف ضمنياً بأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها بالقانون بل تحتاج إلى المنع والنفوذ والحصانة
في هذه اللحظة يتحول الفساد من جريمة إلى بنية ومن حادثة إلى نظام ومن تجاوز إلى عقيدة حكم وتتحول الدولة من إطار جامع إلى شبكة مغلقة كل طرف فيها يحمي الآخر وكل ملف فيها يصبح خطاً أحمر وكل سؤال فيها يصبح تهديداً
ديوان المراجع لم يترك مجالاً للغموض صرف خارج الدائرة المستندية غياب كامل للوثائق صرف ازدواجي مخالفات جسيمة للقانون توصيات واضحة بالاسترداد والإحالة هذه ليست لغة اتهام سياسي بل لغة مراجعة تحترم نفسها لكن السلطة قررت ألا تحترم التقرير ولا المؤسسة ولا القانون
وهنا يصبح الصمت شراكة ويصبح التبرير خيانة ويصبح التطبيع مع هذا الواقع مشاركة فعلية في الجريمة لأن القبول بأن تُمنع المراجعة اليوم يعني القبول بأن يُنهب أي قطاع غداً دون رادع
هذه ليست معركة محاسبين ولا صراع تقارير هذه معركة على معنى الدولة نفسه هل هي دولة قانون أم دولة حصانة هل هي دولة مؤسسات أم دولة أشخاص هل هي دولة مواطنين أم دولة شبكات
الشعب في هذه المعادلة ليس رقماً بل الضحية الدائمة يُطلب منه الصبر بينما تُنهب موارده ويُطلب منه التحمل بينما تُحمى الملفات ويُطلب منه الصمت بينما تُكسر أدوات الحقيقة
الدول لا تسقط فقط بالانقلابات أو الحروب كثيراً ما تسقط حين تفقد قدرتها على محاسبة نفسها حين يتحول السؤال إلى جريمة وحين تصبح السيادة ستاراً للنهب وحين يُكافأ الفساد ويُعاقَب من كشفه
الخطر الحقيقي استمرار هذا النهج لا يعني حماية النظام بل يعني تآكل الدولة من الداخل لأن الدولة التي تعطل رقابتها تحكم على نفسها بالعمى والدولة العمياء لا ترى الانهيار إلا بعد وقوعه
وفي النهاية لا يبقى إلا السؤال الذي لا يمكن حله بالمنع ولا بالحصانة ولا بتعطيل التقارير إذا كانت الدولة تمنع نفسها من محاسبة نفسها فمن يحمي المال العام ومن يحمي فكرة الوطن ومن يملك الشجاعة ليقول إن السيادة بلا قانون ليست سيادة بل غطاء
هذا السؤال سيبقى مفتوحاً وسيظل يلاحق كل من اختار حماية الفساد لأن التاريخ لا ينسى ولأن الدول لا تُبنى بالمنع
بل بالمحاسبة لنكف عن التمثيل ونسمي الاشياء بأسمائها
الدولة حاضرة لكنها اختارت حماية الفساد كسر المراجعة رفع السيادة فوق القانون وطلبت من الشعب تصديق الكذبة
لا أحد بريء بعد اليوم من حكم من سكت من برر من صفق من قال (ليس ملفنا) من قال (دعونا ننتظر) الجميع شركاء بدرجات متفاوتة
هذه ليست أزمة موارد إنها أزمة ضمير ليست فجوة قانون بل فجوة شجاعة
الدولة التي تخاف من كشف الحساب لا تستحق الثقة السلطة التي تمنع المراجعة لا تستحق الصمت النخبة التي تعرف وتغض الطرف لا تستحق الاحترام
لا تحدثونا عن السيادة ولا عن الاستقرار ولا عن الوطنية فهي التي تخفي اللصوص وتخدم الخيانة
اليوم لم يعد السؤال من سرق بل من سمح من غطى من أمر من صمت ومن يطلب منا كتم الصوت.
هذه لحظة تسمية الجريمة جريمة التواطؤ تواطؤ والصمت شراكة
ومن يظن أن النفوذ والحصانة تطيل العمر السياسي لا يفهم كيف تسقط الدول الدول لا تسقط فجأة تسقط عندما تفقد احترامها لنفسها
السؤال واحد قصير كالنار في وجه كل من يدّعي الشرعية
إذا كانت الدولة تمنع محاسبة نفسها، فبأي حق تطلب منا الثقة؟
وهذا السؤال… هو النار وما بعده لن يكون كما قبله.




