قال السيد المسيح عليه السلام: {وتعرفون الحق، والحق يحرركم} إنجيل يوحنا.
——— ——— ———
المثقفون وقادة الرأي في العديد من بلدان العالم يمرون بمحنة عظيمة حول اي اتجاه يتخذون وباي لسان يتحدثون في التعبير عن آرائهم بلسان صدق وشجاعة أو اتباع البرغماتية والتقية التي تخلو من المبادئ والقيم.
السودان اليوم سيادته ووحدته في مهب الريح وكذلك العديد من البلدان الافريقية والعربية وبلدان الجنوب التي تعاني قهراً داخلياً وحروب تمتد اليها ايادي الخارج لازال قول المسيح عليه السلام بان الحقيقة وحدها هي التي تحررنا قولاً ساطعاً في معادلة القوة والحق والمسيح لا يزال مصلوب على الاعواد.
ان حياتنا ستكون لا معنى لها ان لم نسجل في دفاترها رأينا بوضوح واخلاص وامانة حول احداث عصرنا العظيمة مدركين ما تمر به بلادنا من احداث عظام وضعت إنسانها على حافة الحياة، وتهدد وجودها نفسه، وسنفقد إنسانيتنا ان لم نقل ما يمليه علينا ضميرنا الحي والا كتبنا مماته. ان السلام العادل والمستدام في السودان سيتأثر بالنظام العالمي الجديد الذي تبرز معالمه الآن سيما وان بلدان اقليمية تريد ان تحدد مستقبل الآخرين بقوة السلاح، والحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان والسيادة يتراجع وتأخذ مكانه احاديث الجغرافيا السياسية والمعادن والمصالح المباشرة بعيداً عن الحق والقيم.
التطور الاعلامي الرقمي الهائل اصبح ذو تأثير فائق في تزيف الحقيقة في اوقات كثيرة والتلاعب بعقول البشر وطمس الوقائع بما فيها المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان، وتشهد الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية انحداراً واسعاً ويعاني ملايين البشر من أزمة وجود وحياة وإنسانيتهم على قارعة الحروب والفقر ونهب الموارد.
كانت القوة أساساً متيناً لكل نظام عالمي مضى، منذ ان ذهب تهراقا لبلاد الآخرين وشارك في بناء نظام عالمي واوصى بالحفاظ على حقوق الحيوان والإنسان معاً، وحينما غزا القيصر بلاد الغال في الحكي القديم، واحتل الاكسندر الأكبر كل العالم القديم، وحينما رأى الخليفة العباسي هارون الرشيد سحابة وقال لها: “يا سحابة، أينما أمطرتِ فسيأتيني خراجك”.
مقاومة الشعوب الباسلة من أجل الإنصاف والكرامة الانسانية شكلت عاملاً مهماً في قيام نظام عالمي متوازن في الثلاث قرون الأخيرة، ربط النظام العالمي بقدر من القيم والاخلاق وانهى الاستعمار المباشر وساهم في ترجيح معادلة الحق امام القوة، وأكد على حق الشعوب في الحرية والحياة الكريمة وتم تطوير سيادة حكم القانون ومباديء وقواعد ونظم القانون الدولي وعلى رأسها مبدأ السيادة وتقرير المصير والحق في الموارد والتبادل المتكافئ وتوازن المصالح، واليوم نعود لنظام عالمي جديد هو في الأصل نظام عالمي قديم عاري من كل شيء إلا من القوة، ويسحق الضعفاء ولا يقيم وزناً للعدالة ويحل مشاكل القوة الكبرى على حساب الفقراء وان القوة هي اساس الحق.
في قلبي وخاطري وعقلي محبة عظيمة لشعوب أمريكا اللاتينية بفقرائها وثقافتها وتاريخها وأحلامها المؤجلة، وتكونت نظرتي للعالم بإسهام فعلي من كتابات أدبائها ومبدعيها العظام وعلى رأسهم غابريال ماركيز وجورج أمادو وبابلو نيرودا وايزبيل اليندي وفيكتور جارا وغيرهم من الذين ساهموا في عظمة الابداع الإنساني من أجل التحرر ورفض الاذلال والعبودية.
ما حدث مؤخراً في فنزويلا أعاد للواجهة القضايا العادلة لشعوب امريكا اللاتينية، يجب ان نقف جميعاً ضد الاستبداد الداخلي في فنزويلا او غيرها وضد العدوان على فنزويلا والتحكم في مستقبل الشعوب التي هي صاحبة الحق الأصيل بلا منازع في تقرير مصيرها ومستقبلها.
كنت من المحظوظين في التعرف على بلدان وثقافات وشعوب عديدة ولدي حنين دفين لزيارة امريكا اللاتينية، وأرى دورة حياتي لن تكتمل دون زيارتها ورؤية فقرائها وشواهد أبطالها وشهدائها في سبيل أحلامهم المؤجلة.
في السودان وفي ظل التحولات الاقليمية والدولية، يجب على الذين يؤمنون حقاً بان ارادة الشعب لا غالب لها ان يجتمعوا جماعة ولا يتفرقوا آحادا، وانما يأكل الذئب الغنم القاصية.
٧ يناير ٢٠٢٦



