*العيد في جمهورية الدم… حين تُذبح البهجة على أعتاب الوطن*

أي عيدٍ هذا الذي يطرق أبوابنا ونحن لا نملك حتى حق البكاء الكامل؟
أي فرحٍ هذا الذي يأتي متسللًا كخجلٍ ثقيل بينما الوطن يُذبح على مهل والناس تُحصي موتاها كما تُحصي الخسائر في حربٍ بلا نهاية؟
في بلادٍ تُدار بالموت لا يأتي العيد… بل يُستدعى ككذبةٍ موسمية
تكبيرات العيد ترتفع نعم… لكنها لا تعلو على أصوات الرصاص
ضحكات الأطفال تُولد نعم… لكنها ترتجف كأنها تعرف أنها قد تُيتم في أية لحظة
العيد في السودان اليوم ليس مناسبة… بل فضيحة
فضيحة وطنٍ فشل حتى في حماية أبسط حقوق مواطنيه أن يفرحوا
أيها السادة الذين يجلسون على كراسي السلطة الملطخة
هل سمعتم يومًا صوت أمٍ تُعيد ترتيب ملابس ابنها الشهيد صباح العيد؟
هل رأيتم كيف تُخبئ دموعها داخل ابتسامةٍ مكسورة كي لا تُخيف بقية أطفالها؟
هل جربتم أن تُقنعوا طفلًا أن والده لن يعود وأن العيد يمكن أن يُحتفل به رغم ذلك؟
أنتم لا تعرفون العيد… لأنكم قتلتم معناه
في هذا الوطن صار العيد امتحانًا للكرامة
إما أن تكذب وتبتسم وتقول كل عام وأنتم بخير
أو أن تصرخ بالحقيقة لا خير في وطنٍ يُهان فيه الإنسان لا خير في عيدٍ يأتي محمولًا على أكتاف النازحين ولا خير في فرحٍ يُبنى فوق مقابر جماعية
العيد ليس ثيابًا جديدة بينما الناس عارية من الأمان
العيد ليس كعكًا وسكرًا بينما الجوع ينهش البطون
العيد ليس زياراتٍ عائلية بينما العائلات نفسها تفرّقت بين المنافي والمقابر ومعسكرات النزوح
العيد ببساطة هو أن تشعر أنك إنسان وهذا ما سُرق منا

لقد حوّلوا هذا البلد إلى مسرحٍ للدم ثم طلبوا منا أن نصفق في نهاية العرض ونقول كان عيدًا جميلًا أي وقاحةٍ هذه؟
أي سقوطٍ أخلاقي يجعل من الألم ديكورًا ومن الفاجعة خلفيةً لصورة تهنئة باردة؟
الذين يتحدثون اليوم عن العيد وكأنه لا شيء يحدث هم شركاء في الجريمة
نعم شركاء… لأن الصمت خيانة والتطبيع مع المأساة جريمة لا تقل قسوة عن ارتكابها
العيد الحقيقي لا يأتي في ظل البنادق لا يولد في حضرة المليشيات
لا يعيش في وطنٍ تُغتصب فيه النساء ويُقتل فيه الأبرياء ويُكافأ فيه القتلة بالمناصب
العيد الحقيقي يحتاج إلى عدالة…إلى دولةٍ تحمي لا تقتل
إلى جيشٍ يحرس لا ينهب
إلى وطنٍ يشعر فيه الإنسان أنه ليس هدفًا مشروعًا للرصاص
حتى ذلك الحين…
لا تطلبوا منا أن نفرح
لا تُجبرونا على تمثيل السعادة في جنازةٍ مفتوحة اسمها السودان
سنحتفل بطريقتنا…
سنحمي ما تبقى من إنسانيتنا سنحتضن أطفالنا بقوةٍ أكبر سنبكي حين نريد ونضحك حين نستطيع لكننا لن نكذب لن نقول إن هذا عيد
هذا مجرد يومٍ آخر في جمهورية الدم
والعيد سيأتي…ليس حين يُعلن الهلال بل حين يسقط القتلة
وحين يُدفن الظلم وحين يستعيد هذا الوطن وجهه الذي سرقوه

ذلك اليوم فقط… سنعرف معنى العيد

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole