*(82.8%) الرقم الذي كشف حجم الهشاشة قبل أن تكتمل الكارثة وليد دليل خبير مصرفي*

يصعب على أي متابع لأوضاع السودان أن يمر مرور الكرام على رقم يقول إن أكثر من أربعة أخماس سكان البلاد كانوا يعيشون قبل اندلاع الحرب في حالة حرمان متعدد الأبعاد، لا في الدخل وحده، بل في التعليم والصحة والسكن والخدمات وفرص العمل مجتمعة. هذا هو بالضبط ما كشفه المسح الوطني الأول للفقر متعدد الأبعاد الذي أنجزه الجهاز المركزي للإحصاء، وأُغلق جمع بياناته في فبراير 2023، أي قبل أسابيع معدودة من اندلاع الحرب في أبريل من العام نفسه. الرقم في ذاته صادم، لكن توقيته أكثر دلالة، فهو يمثل آخر صورة موثقة لحال السودانيين قبل أن تعيد الحرب تشكيل خريطة الفقر والحرمان بصورة يصعب اليوم قياسها بدقة.
الفرق بين هذا المؤشر وبين مفهوم الفقر التقليدي الذي اعتاد عليه الرأي العام هو ما يمنح هذا المسح قيمته التحليلية الحقيقية. فالفقر النقدي يقيس قدرة الأسرة على الإنفاق مقارنة بخط الفقر، وهو مقياس ضيق يعكس جانباً واحداً من المعاناة. أما الفقر متعدد الأبعاد فيذهب أبعد من ذلك، إذ يفترض أن أسرتين قد تتقاربان في الدخل، بينما تعيش إحداهما حرماناً فعلياً من مدرسة قريبة أو مركز صحي أو مياه نظيفة أو كهرباء، فتتحول الفجوة في الخدمات إلى فجوة حقيقية في جودة الحياة لا يلتقطها رقم الدخل وحده. وهذا بالضبط ما يفسر ارتفاع النسبة إلى هذا المستوى القياسي في السودان، فالمشكلة لم تكن يوماً مقتصرة على شح الموارد المالية للأسر، بل كانت متجذرة في غياب البنية التحتية للخدمات الأساسية في مساحات واسعة من البلاد، خصوصاً خارج المراكز الحضرية الكبرى.
وحين ننزل من المستوى الوطني إلى مستوى الولايات، تتكشف تفاوتات جغرافية صارخة تعمّق من خطورة الرقم الإجمالي ولا تكتفي بتأكيده. فأكثر من ثلاثة أرباع سكان ولايتي شرق ووسط دارفور كانوا يعيشون في فقر شديد متعدد الأبعاد حتى قبل الحرب، بينما تجاوزت النسبة السبعين في المائة في كل من جنوب كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور. هذا التوزيع ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو مفتاح لفهم طبيعة الأزمة السودانية بأكملها، فالمناطق التي سجلت أعلى معدلات الحرمان هي ذاتها التي شهدت أشد فصول الحرب دماراً وأكثرها تهجيراً للسكان، وهو ما يعني أن الحرب لم تخلق فقراً جديداً بقدر ما وجدت أرضاً خصبة من الهشاشة المزمنة فاستثمرتها لتضاعف حجم الكارثة. الفجوة بين الأطراف والمركز، وبين الإقليم والعاصمة، كانت قائمة في بنية الدولة السودانية قبل أن تتحول إلى خط تماس عسكري، وهذا يفسر إلى حد بعيد لماذا انفجر الصراع في هذه الجغرافيا تحديداً ولماذا استعصى الحل حتى الآن.
أما على صعيد أبعاد الحرمان الأربعة عشر الموزعة على محاور الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل، فإن قراءة متأنية لها تكشف أن المشكلة السودانية ليست مشكلة فقر بالمعنى الكلاسيكي المرتبط بغياب الدخل، بل هي أزمة بنية تحتية غائبة أصلاً في مناطق واسعة، حيث لا توجد مدرسة لتُحرم منها الأسرة، ولا مركز صحي لتفتقده، ولا شبكة مياه لتنقطع عنها. هذا الفارق الدقيق مهم للغاية عند التفكير في أي معالجة، لأن حلول الفقر النقدي التقليدية، من دعم نقدي أو تحويلات مالية، تفترض وجود بنية خدمية يمكن للأسرة أن تشتري خدماتها بالمال المتاح، بينما الواقع في كثير من الولايات السودانية هو غياب هذه البنية من الأساس، وهو ما يجعل ضخ السيولة وحده عاجزاً عن إحداث أثر حقيقي ما لم يرافقه استثمار مواز في المرافق ذاتها.
الأهمية الاستراتيجية لهذا المسح لا تكمن في الرقم بحد ذاته بقدر ما تكمن في كونه خط أساس، أي نقطة مرجعية موثقة إحصائياً يمكن قياس الأضرار والتغيرات عليها مستقبلاً. فالسودان الذي دخل الحرب وهو يحمل هذا الإرث الثقيل من الحرمان المتراكم في الصحة والتعليم والسكن، خرج من عامين ونصف من النزاع بواقع أكثر قسوة بمراحل، مع انهيار شبه كامل للبنية المصرفية والخدمات المالية، وتدمير واسع للمرافق الصحية والتعليمية، ونزوح ملايين السكان عن مناطقهم الأصلية. غياب مسح مماثل خلال سنوات الحرب يعني أننا اليوم لا نملك رقماً محدثاً يعكس حجم التدهور الفعلي، لكننا نملك في المقابل أداة قياس دقيقة يمكن البناء عليها حين يُنجز المسح المقبل المقرر له عام 2028، وهي فجوة زمنية طويلة نسبياً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البلاد.
في ظل الوضع الراهن، حيث لا تزال الحرب قائمة ولا تتوفر موارد الدولة المركزية للاستثمار الواسع، تصبح المعالجة الواقعية محكومة بسقف منخفض من الطموح لكنه لا يعني التسليم بالعجز الكامل. فالأولوية في هذه المرحلة يجب أن تنصب على شبكات الأمان الاجتماعي الطارئة التي تستهدف أشد الفئات حرماناً في الولايات الأعلى تصنيفاً، عبر الشراكة مع المنظمات الإنسانية العاملة فعلياً على الأرض، لا عبر انتظار عودة مؤسسات الدولة إلى كامل طاقتها. كذلك فإن القطاع المصرفي، رغم انهيار بنيته التشغيلية في مناطق واسعة، يمكن أن يؤدي دوراً في توصيل الدعم النقدي عبر قنوات التمويل الأصغر والمحافظ الرقمية أينما توفرت شبكة اتصالات تسمح بذلك، بما يخفف قليلاً من أثر انهيار منظومة التحويلات التقليدية. والأهم من ذلك أن أي تدخل عاجل يجب أن يوثق بياناته أولاً بأول، لأن غياب مسح محدّث حتى عام 2028 يعني أن صناع القرار سيعملون لسنوات على أساس تقديرات غير دقيقة ما لم تُبتكر آليات رصد ميدانية مصغرة تسد هذه الفجوة المعرفية في الأثناء.
من منظور اقتصادي ومصرفي، يحمل هذا المؤشر دلالة إضافية تتعلق بجدوى أي برامج تمويل أو إعادة إعمار مقبلة. فالمؤسسات المالية والجهات المانحة حين تخطط لبرامج التمكين الاقتصادي أو الشمول المالي في مرحلة ما بعد الحرب، لا يكفيها أن تعرف مستوى دخل الأسر، بل تحتاج إلى فهم بنية الحرمان الفعلية التي تمنع هذا الدخل من التحول إلى تحسن حقيقي في مستوى المعيشة. أسرة تحصل على تمويل أو دعم نقدي في منطقة تفتقر إلى الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية، لن يترجم هذا الدعم إلى تحسن مستدام ما لم تُعالج جذور الحرمان الهيكلي المصاحب له. وهنا تحديداً تكمن قيمة مؤشر الفقر متعدد الأبعاد كأداة توجيه للسياسات، لا كرقم إحصائي يُستهلك إعلامياً ثم يُنسى.
أما على مستوى الأجل الطويل، فإن الأرقام التي وفرها هذا المسح تفرض على أي خطة إعادة إعمار مستقبلية أن تُبنى على منطق مختلف عن المعتاد، بحيث لا تُوجَّه الموارد إلى الولايات الأقل تضرراً من الحرب لأنها الأسهل تشغيلياً، بل إلى الولايات الأعلى حرماناً تاريخياً مثل دارفور وكردفان، باعتبار أن أي استقرار سياسي مستقبلي لن يصمد إذا تُرك الاختلال التنموي بين الأقاليم كما هو. كما أن ربط برامج التمويل والتمكين الاقتصادي بمؤشرات الحرمان القطاعية، لا بالدخل وحده، سيسمح باستهداف أكثر دقة يضمن وصول الموارد إلى حيث الحاجة الفعلية للبنية التحتية، لا فقط إلى حيث السيولة النقدية غائبة. والأهم أن تكرار مسوحات الفقر متعدد الأبعاد بوتيرة أقصر من أربع سنوات بات ضرورة لا ترفاً إحصائياً، فبلد يخوض حرباً بحجم ما يخوضه السودان لا يمكن أن ينتظر حتى عام 2028 ليعرف أين وصلت معدلات حرمان أطفاله ونسائه ومزارعيه.
ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن هذا المستوى المرتفع من الحرمان لم يكن نتاج الحرب، بل كان قائماً قبلها بسنوات طويلة، وهو ما يعيد التذكير بأن جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في السودان أعمق من أي صراع مسلح بعينه، وأن إعادة الإعمار المنشودة، حين تحين لحظتها، لن تكون مجرد استعادة لما كان قائماً قبل أبريل 2023، بل يجب أن تكون مواجهة جذرية لبنية حرمان راسخة سبقت الحرب وتفاقمت بسببها. الرقم 82.8% يجب أن يتحول من عنوان صادم يُستهلك إعلامياً إلى أداة عمل دائمة تُقاس عليها كل سياسة اقتصادية مقبلة، وإلا فإن السودان سيخرج من هذه الحرب ليدخل في أزمة تنموية أطول عمراً وأصعب علاجاً من الحرب نفسها. فمعركة التنمية الحقيقية في السودان أوسع بكثير من معركة وقف إطلاق النار، وهي المعركة التي ستحدد شكل البلاد بعد عقد من الآن، لا مجرد شكلها بعد توقف الرصاص.

مقالات ذات صلة