*الدومة وحزب الأمة.. هل ينسجم خطاب التسلح مع إرث السلام؟ بقلم الصحفي: أحمد دقش Ahmeddagash2014@outlook.com*

ثمة ما يستحق الإشادة والتقدير في الحراك الجماهيري الذي ابتدره حزب الأمة القومي خلال الأيام الماضية، ممثلاً في قادته الأستاذ محمد عبدالله الدومة، والفريق عبدالرحمن الصادق المهدي، والفريق صديق محمد إسماعيل، من خلال مشاركتهم في الفعاليات الجماهيرية بمنطقة العزازة بولاية الجزيرة، ضمن استقبال الحبيب هشام العزازة.
هذا النشاط يمثل خطوة إيجابية في ظل ظروف الحرب، لأنه يعيد الاعتبار للعمل السياسي والمدني وسط الجماهير، ويفتح الباب أمام عودة القوى السياسية إلى ممارسة دورها الطبيعي عبر التواصل المباشر مع المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بالمنصات الإعلامية والبيانات السياسية، كما أنه يبعث برسالة مهمة مفادها أن الساحة العامة ينبغي ألا تبقى رهينة للسلاح، وأن استعادة الحياة المدنية مسؤولية مشتركة ينبغي أن تتوسع لتشمل جميع القوى الوطنية.
غير أن هذا التقدير لا يمنع من الوقوف عند ما ورد في حديث الأستاذ/ محمد عبدالله الدومة، من دعوة لمواطني المنطقة إلى امتلاك السلاح لحماية أنفسهم من جرائم قوات الدعم السريع، فهذه الدعوة رغم ما قد يحيط بها من دوافع انفعالية فرضتها فظائع الحرب، تثير قدراً كبيراً من الاستغراب، لاسيما أنها صدرت عن شخصية تجمع بين الخبرة القانونية العميقة والتجربة السياسية الممتدة.
فالدومة بصفته محامياً، يدرك قبل غيره أن احتكار الدولة لاستخدام القوة ليس مجرد نص قانوني، وإنما هو أحد أهم أسس قيام الدولة الحديثة، كما يعلم أن انتشار أدوات العنف خارج المؤسسات النظامية يفضي إلى إضعاف هيبة الدولة، وإرباك منظومة العدالة، وتعطيل إنفاذ القانون، وتحويل المجتمعات إلى ساحات مفتوحة للثأر والانتقام، حيث تصبح القوة بديلاً عن القضاء، والسلاح بديلاً عن القانون.
أما الدومة السياسي، الذي خبر المنابر وتقلبات الحياة العامة، فكان المنتظر منه أن يتجاوز ردود الفعل الآنية، وأن يطرح حلولاً سياسية ومجتمعية تعزز فرص السلام، وتدفع نحو المصالحات الاجتماعية، وتعيد الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. فالدور الحقيقي للقيادات السياسية في مثل هذه اللحظات ليس مضاهاة خطاب الحرب، وإنما تقديم بدائل تنقل المجتمع من دائرة الانتقام إلى أفق التعايش والاستقرار.
إن ما ذهب إليه الأستاذ/ الدومة يعتبر خطأ سياسي جسيم في ظرف بالغ الحساسية، حيث تعيش المجتمعات السودانية حالة غير مسبوقة من الاحتقان والغبن والانقسام، وكان الأجدر بالقيادات السياسية، على اختلاف انتماءاتها، أن تتسابق على ترسيخ قيم السلام وإطفاء بؤر الكراهية لا أن تقدم ما قد يُفهم بوصفه دعوة لتوسيع دائرة العنف وإعادة إنتاجه في المستقبل.
ولعل المفارقة الأكثر وضوحاً أن هذه الدعوة لا تنسجم مع الإرث السياسي والفكري الذي ظل حزب الأمة القومي يقدمه في قضايا السلام والمصالحة الوطنية ومستقبل الحكم، فقد ظل الإمام الصادق المهدي “رحمه الله”، حتى آخر أيام حياته يدعو إلى التسامح والحكمة، ويرفض الانجرار وراء دعوات الانتقام، مردداً عباراته الخالدة: “الفشّ غبيتنو خرب مدينتو”، و “حلّا بالإيد ولا حلّا بالسنون”، ولم تكن هذه الأقوال مجرد حكم مأثورة، بل كانت تعبيراً عن رؤية سياسية متكاملة ترى أن بناء الدولة لا يكون بالثأر، وإنما بإدارة الخلافات بالحكمة، وأن السلام، مهما طال الطريق إليه، أقل كلفة من استمرار الحروب.
واليوم يبدو السودان أحوج ما يكون إلى استعادة هذه المبادئ، كما أن من الوفاء للإمام الصادق، وللإرث الذي تركه، أن يلتزم رفاقه وتلامذته وأبناؤه السياسيون بهذا النهج وأن يتمسكوا به في أحلك الظروف، لأن قيمة المبادئ الحقيقية لا تُختبر في أوقات السلم، وإنما في لحظات الغضب والانفعال، ومن الأدب السياسي والوفاء للرموز المؤسسة أن يحفظ الأبناء للآباء طيب السيرة، وألا يسيئوا إلى إرثهم بمواقف تناقض المبادئ التي أفنوا أعمارهم في ترسيخها.
ولا يختلف اثنان على أن مجتمع الأستاذ/ الدومة، كما كثير من المجتمعات السودانية، تعرض خلال الحرب الأخيرة لانتهاكات جسيمة تستوجب الإدانة والمحاسبة، كما أنه عانى من مظالم متراكمة عبر سنوات طويلة، غير أن فداحة المأساة لا تصلح مبرراً للدعوة إلى تسليح المدنيين، لأن مثل هذه الدعوات لا تنتهي بحماية المجتمع، وإنما تفتح الباب أمام موجات متعاقبة من العنف يصعب السيطرة عليها، وتورث الأحقاد جيلاً بعد جيل.
وليس هذا التخوف نظرياً فالتجربة السودانية نفسها تقدم الدليل، فما زالت الذاكرة الوطنية تحتفظ بما ترتب على سياسات تسليح بعض المجتمعات خلال السنوات الأخيرة من حكم حزب الأمة، وما زالت آثار انتشار السلاح تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن والاستقرار، كما بقيت تلك المرحلة تلاحق اللواء فضل الله برمة ناصر بوصفها إحدى المحطات المثيرة للجدل في تاريخ الحزب، ولا يزال السودان يدفع حتى اليوم أثمان تلك الخيارات التي ساهمت، بصورة أو بأخرى، في إضعاف سلطة الدولة وتعقيد المشهد الأمني.
إن حماية المواطنين واجب أصيل تتحمله الدولة ومؤسساتها النظامية، أما مسؤولية القوى السياسية فهي الدفاع عن مشروع الدولة، لا استبداله بمشروعات الحماية الذاتية، وإذا كان من حق الناس أن يطالبوا بالأمن فليس من حق الساسة أن يجعلوا السلاح هو الطريق إليه.
السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن ينتصر لمنطق الدولة والقانون والسلام، وإما أن يواصل الانزلاق نحو مجتمع تتعدد فيه مراكز القوة ويتراجع فيه سلطان القانون، وإذا كان حزب الأمة قد نجح في أن يبعث برسالة إيجابية بعودته إلى العمل الجماهيري وسط المواطنين، فإن هذه الرسالة تكتمل عندما يقترن الحراك المدني بخطاب يرفض عسكرة المجتمع، ويتمسك باحتكار الدولة للسلاح، ويجعل من المصالحة الوطنية وسيادة القانون الخيار الوحيد لبناء المستقبل.
السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البنادق، وإنما إلى مزيد من القادة الذين يمتلكون شجاعة الاعتراف بأن الحرب لا تُنتج إلا حرباً أخرى، وإذا كان حزب الأمة يريد أن يقود مرحلة استعادة العمل المدني، فإن مسؤوليته التاريخية تقتضي بعد توحيد مواقف قادته، أن يكون أول المدافعين عن مشروع الدولة وأول الداعين إلى المصالحات الوطنية وترميم النسيج الاجتماعي، فهذه هي الرسالة التي عرف بها الحزب في أفضل محطاته، وهذا هو الإرث الذي تركه الإمام الصادق، وهو الإرث الذي ينتظر السودانيون أن يروا أبناء مدرسته أوفياء له قولاً وعملاً.

مقالات ذات صلة