بقلم: محمود الفكي
زمان، وحتى العام 2018، كان في السودان شيء اسمه شغل مؤسسات. لم تكن الخدمات تُدار بمنطق «نشوف الحاصل شنو»، ولا كانت الأعطال تُترك للمواطن حتى يتعايش معها وكأنها قدر محتوم.
في قطاع الكهرباء تحديداً، كان هناك احتياطي من المحولات وقطع الغيار، وكانت هناك أزمنة محددة للتعامل مع الأعطال؛ ساعتان للعطل الداخلي، وأربع ساعات للعطل الخارجي. والأهم من ذلك أن الزمن لم يكن مجرد رقم مكتوب على ورق، بل كان وراءه التزام ومسؤولية ومحاسبة.
إذا انتهت الساعات المحددة دون إصلاح، أو لم يجد المواطن تفسيراً واضحاً للتأخير، فهناك فريق مسؤول يُسأل: لماذا تأخرتم؟ أين الخلل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
هذه ليست دعوة للبكاء على الماضي، ولا محاولة لتجميل كل ما كان فيه. كما أنها ليست هجوماً على حاضرٍ مليء بالتحديات. لكنها مقارنة بسيطة بين مفهومين: دولة تعمل بالمؤسسات، ودولة تتعامل مع الأزمات بمنطق رد الفعل.
فالخدمة العامة لا تقوم على الأمنيات، ولا على التصريحات، ولا على كثرة الاجتماعات. الكهرباء تحتاج إلى محولات احتياطية، وقطع غيار، وفرق فنية، وخطط طوارئ، ومواعيد واضحة، وغرفة متابعة تعمل على مدار الساعة.
وعندما يغيب التخطيط، يتحول العطل الصغير إلى أزمة كبيرة، وقد يتحول انقطاع الكهرباء لساعات إلى أيام، ثم يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، يدفع ثمن العجز من وقته وماله وأعصابه ومصالحه.
المشكلة ليست فقط في «العطل»؛ فالأعطال تحدث في كل دول العالم. المشكلة الحقيقية هي كيف تتعامل المؤسسة مع العطل؟
هل لديها مخزون استراتيجي؟ هل لديها خطة طوارئ؟ هل تعرف من المسؤول؟ هل هناك سقف زمني للإصلاح؟ هل تتم محاسبة المقصر؟ وهل يحصل المواطن على معلومة واضحة بدلاً من الانتظار في الظلام؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الفرق بين مؤسسة تؤدي واجبها، ومؤسسة تكتفي بإدارة الأزمة بعد وقوعها.
الدولة المحترمة ليست الدولة التي لا تحدث فيها الأعطال، وإنما الدولة التي تستعد للعطل قبل حدوثه، وتتعامل معه بسرعة عند وقوعه، وتحاسب من قصّر في واجبه بعد انتهائه.
نحن لا نريد المستحيل. نريد فقط أن تعود كلمة «المؤسسة» إلى معناها الحقيقي، وأن يعرف كل مسؤول أن خلف كل رقم في تقريره مواطناً ينتظر الكهرباء، ومريضاً يحتاج إلى جهاز، وطالباً يريد أن يذاكر، وتاجراً يخشى تلف بضاعته، وأسرة تحاول أن تعيش حياة طبيعية.
يا سادة…
الخدمات لا تتحسن بالخطابات، وإنما بالتخطيط والمخزون والمتابعة والمحاسبة.
وعندما تغيب هذه الأشياء، يصبح المواطن هو الذي يدفع الفاتورة.
لله درك يا وطن… كم كنا نحتاج إلى مؤسسات تعمل، أكثر مما نحتاج إلى وعود تتكرر.




