*حين تصبح الحكومة خصمًا للمواطن.. أزمة السودان تبدأ من «الفكرة»* *بقلم: دينا على محمد أحمد*

المشكلة في السودان ليست دائمًا في نقص الموارد، ولا في قلة الفرص، ولا حتى في شح الإمكانات؛ المشكلة الأكبر قد تكون في الفكرة التي تسكن داخل الرأس… الفكرة التي تنظر إلى المواطن باعتباره خصمًا، وإلى المستثمر باعتباره مصدرًا للجباية، وإلى المشروع الناجح باعتباره فرصة أخرى لفرض القيود.

وهنا تحديدًا يبدأ الخلل.

فحين تصبح العلاقة بين الدولة والمواطن قائمة على الشك، وتتعامل المؤسسات مع النشاط الاقتصادي بعقلية المنع والتعقيد بدلًا من التسهيل والحماية، فإن أي مشروع مهما كانت فرص نجاحه يصبح مهددًا بالتعثر.

والأخطر من ذلك أن بعض المشاريع التي تنجح رغم الظروف الصعبة، بدلًا من أن تجد التشجيع والرعاية، تجد أمامها سلسلة من الإجراءات والاشتراطات والعراقيل التي قد تنتهي بها إلى الإغلاق أو الهروب.

يا سادة.. الخلل أكبر من مجرد خطأ إداري. إنه خلل في التفكير، وخلل في مفهوم إدارة الدولة، وخلل أخلاقي حين يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في كل معادلة.

خذوا ملف الثروة الحيوانية مثالًا.

السودان يمتلك ثروة حيوانية ضخمة، وأسواقًا إقليمية يمكن أن تستوعب كميات كبيرة من الماشية السودانية، وفي مقدمتها السوق السعودية. ومع ذلك، عندما تعاد شحنات من المواشي بسبب عدم استيفاء بعض الاشتراطات والمواصفات، تتحول القضية إلى مأساة وطنية، وتتعالى الأصوات حول الخسارة، بينما كان الأجدى أن نسأل: لماذا لم نمنع المشكلة من جذورها؟

لماذا لا تكون لدينا منظومة صارمة للجودة والصحة الحيوانية والتصدير؟ ولماذا لا تعمل الجهات المختصة على تجهيز المنتج السوداني وفق المعايير المطلوبة بدلًا من انتظار الرفض ثم البكاء على الخسائر؟

الأمر لا يتوقف هنا.

في الوقت الذي يبحث فيه العالم عن فتح الأسواق وتسهيل حركة التجارة، نجد أنفسنا أحيانًا أسرى قرارات انفعالية، أو إجراءات غير مدروسة، أو صراعات لا يدفع ثمنها سوى المواطن البسيط.

ومثال ذلك ما يثار حول حركة التجارة الحدودية مع مصر، حيث تتداخل المصالح الشعبية والاقتصادية مع القرارات والإجراءات الرسمية، فتكون النتيجة في النهاية إرباكًا للتاجر والمزارع والمستهلك، وخسارة لفرص كان يمكن أن تعود بالنفع على الطرفين.

الدولة التي تريد أن تنمو لا تغلق الأبواب في وجه التجارة، بل تفتحها وفق القانون وتحمي مصالحها بالذكاء.

نحن بحاجة إلى تغيير جذري في طريقة التفكير.

الحكومة ليست موجودة لمراقبة المواطن فقط، ولا لمعاقبته، ولا لتعقيد حياته بالإجراءات. الحكومة وجدت أساسًا لتوفير البيئة التي تمكن المواطن من العمل والإنتاج والاستثمار.

والمواطن ليس عدوًا للدولة.

المستثمر ليس متهمًا حتى تثبت براءته.

والتاجر ليس خصمًا.

والمشروع الناجح ليس خطرًا يجب محاصرته.

هذه المفاهيم إذا لم تتغير، فلن تنفعنا كثرة الموارد ولا المؤتمرات الاقتصادية ولا الشعارات الكبيرة.

السودان بلد غني، لكن الفقر ليس دائمًا نتيجة قلة الثروة؛ أحيانًا يكون نتيجة سوء إدارة الثروة وسوء إدارة الفرص.

ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط مع الحرب والخراب، وإنما أيضًا مع العقلية التي جعلت من الإجراءات عائقًا، ومن المواطن خصمًا، ومن الاستثمار مخاطرة، ومن الإنتاج معركة يومية.

نحتاج إلى حكومة ترى في نجاح المواطن نجاحًا لها، وفي نجاح المستثمر إضافة للاقتصاد، وفي زيادة الإنتاج انتصارًا للدولة.

حين تتغير هذه الفكرة داخل الرأس، يمكن أن يتغير السودان كله.

أما إذا ظل المواطن يشعر أن الدولة تقف في الجهة المقابلة منه، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها: مشروع يبدأ، قرار يعطله، مستثمر يهرب، سوق ينكمش، مواطن يتضرر، ثم نعود في النهاية لنسأل: لماذا لا يتقدم السودان؟

والإجابة ربما كانت أمامنا طوال الوقت:

لأننا كثيرًا ما نحارب الفرصة بدلًا من أن نحميها.

مقالات ذات صلة