*المليشيا… حين يتحول القتل إلى إعلان إبادة*

لم تكن جريمة تصفية الأسرى أمام الكاميرات مجرد مشهد عابر في حرب معقدة، بل كانت لوحة مكتملة الأركان عن السقوط الأخلاقي والإنساني لمليشيا الدعم السريع. لحظة مشبعة بالدم والكراهية، حيث يتحول الأسير الأعزل إلى مسرح لعرض القسوة، وحيث يقف القاتل متفرجًا متشفّيًا، ليجعل من القتل رسالة علنية، مصوَّرة وموجَّهة، ليس فقط للخصوم في ساحة الحرب، بل لقبائل بأكملها في دارفور.

حين نُزعت حياة الأسرى أمام العدسات، لم يكن الهدف القضاء على مقاتلين عاديين. بل كان الاستهداف موجهًا: أسماء قبائل بعينها، رموز انتماءات محددة. هنا لم يعد القتل عسكريًا، بل تحوّل إلى تطهيرٍ انتقامي، إلى محاولة إذلال جماعي تُبَث على الهواء وكأنها فيلم دعائي للإبادة. هذه ليست حربًا بين جيش ومليشيا، بل حرب على هوية، على وجود، على شعب يريدون محوه من الذاكرة والواقع.

المأساة الكبرى أن الكاميرا لم تكن صدفة. الكاميرا هنا أداة حرب بقدر ما هو الرصاص. المليشيا أرادت أن يراها العالم وهي تقتل، أن تسمع القبائل في دارفور أسماء أبنائها تُذكر قبل أن تُطلق عليهم النار. أرادت أن تزرع الرعب، أن تترك الجرح مفتوحًا في قلب كل أم وأب، أن تجعل الخوف نفسه سلاحًا يسبق الرصاص. هذه هي مدرسة الجريمة: القتل لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى مشهد عام، إلى صورة تُنشر، إلى إذلال يطال الحي قبل الميت.

لكن ما لا تفهمه المليشيا أن هذه الصور لا تزرع الرعب وحده، بل تزرع الحقد العادل، والغضب الصادق، والرغبة التي لا تموت في القصاص. إن كل طلقة وُجهت إلى صدر أسير أعزل أمام الكاميرا، لم تقتل شخصًا فقط، بل أيقظت آلافًا سيحملون السلاح والحق من بعده.

هذا ليس قتالًا، بل هو إعدام خارج القانون. هذا ليس صراعًا عسكريًا، بل جريمة حرب مكتملة الأركان. هذا ليس “نصرًا” كما يتوهمون، بل وصمة عار على جبين المليشيا وقادتها. في التاريخ العسكري، حتى أكثر الجيوش وحشية كانت تحاول أن تخفي جرائمها، أما هنا فنحن أمام حالة مرضية تتلذذ بالدم، وتتباهى بالجريمة، وتنشرها لتقول: “هكذا ننتقم من قبائل بعينها”.

ما فعلته المليشيا في دارفور من قبل – من حرق القرى، واغتصاب النساء، ونهب الأرض – هو نفس العقلية التي تُعيد إنتاج نفسها اليوم في تصفية الأسرى. لم يتغير شيء: نفس العقلية القبلية الضيقة، نفس الحقد الأسود، نفس الفهم المريض للسلطة بالسلاح والنفوذ بالدم. لكن الفرق أن المشهد الآن لم يعد محليًا مخفيًا، بل صار مرئيًا للعالم أجمع.

تصفية الأسرى أمام الكاميرا ليست جريمة ضد الأفراد فقط، بل ضد السودان كله. إنها محاولة لإشعال نيران ثأر قبلي لا تنطفئ، لتمزيق المجتمع إلى أشلاء متناحرة. ومن لا يرى هذا البعد فهو يتعامى عمدًا. لأن المليشيا تعرف تمامًا أنها لا تستطيع أن تحكم وطنًا موحدًا، لكنها تراهن على أن تحكم على أنقاض قبائل ممزقة وأرواح مثخنة بالجراح.

لكن الحقيقة أن هذه الجريمة ستعود كالسيف على رقابهم. فكل صورة قُتيل، كل مشهد إذلال، كل دم أسير أُريق أمام الكاميرا، سيتحول إلى وثيقة إدانة، إلى شهادة خالدة، إلى دليل دامغ لن يُمحى. ومهما حاولوا أن يجمّلوا جرائمهم بشعارات أو دعايات، ستظل صورهم نفسها هي الحُكم، وهي الفضيحة، وهي الحائط الذي سيُساقون إليه يوم الحساب.

ليعلموا: الدم لا يتبخر، والعدسات لا ترحم، والقبائل التي استُهدفت ستبقى حية بذاكرتها وغضبها. وقد يظن الأمير اليوم أنه أرسل رسالة قوة، لكن التاريخ سيكتبها رسالة ضعف: أنكم قتلتم الأسرى لأنكم عاجزون عن مواجهة الرجال في الميدان، وأنكم صورتم جرائمكم لأنكم جياع للدم لا تعرفون من الإنسانية شيئًا.

وإذا كانت الحرب تعرف شرفًا، فأنتم خارجها. وإذا كان القتال يعرف أخلاقًا، فأنتم ضدها. ما فعلتموه ليس منطقًا عسكريًا بل سلوك عصابة. ولن يرحمكم التاريخ، ولن يغفر لكم الشعب، لأنكم لم تقتلوا فقط أبناءه، بل أردتم أن تقتلوا كرامته معه .

مقالات ذات صلة