لم يكن 2025 عامًا عاديًا يمكن طيّه مع آخر صفحة في التقويم كان عامًا ثقيلاً كأن البلاد حملته على ظهرها ومشت عامًا ازدحمت فيه الجنازات وقلّت فيه الطمأنينة وتحول فيه الحزن من شعور عابر إلى حالة عامة عامًا صار فيه الموت خبرًا يوميًا وصار الاعتياد على الفقد جزءًا من البقاء في هذا العام لم نودّع أيامًا فقط ودّعنا وجوهًا ومدنًا وأصواتًا كانت تمنح للحياة معناها البسيط كان عامًا من حرب بلا ملامح ومن موت لا يستأذن ومن فقد لا يمنح أهله حتى حق البكاء الطويل كبر الأطفال فجأة وشاخت الأمهات قبل أوانهن وصار الناس يتقنون فن الوقوف وهم ينزفون لأن السقوط لم يعد خيارًا ولأن الحياة في بلادنا لا تمنح وقتًا للانهيار كان عامًا صار فيه كل شيء مؤلمًا بلا إعلان وكل فرح قصيرًا بلا ضمان وكل ابتسامة محكومة بالظلال التي تلقيها الحرب على وجوهنا وأحلامنا وكل يوم كان اختبارًا لصبرنا على الظلم والخذلان والحرمان من البقاء كما يجب أن يكون
وكان 2025 أيضًا عامًا نضجتُ فيه على غير رغبة نضجت لأن الخسارات كانت أسرع من قدرتي على الفهم ولأن الوقائع صفعتنا بلا مقدمات تعلمت أن الأشياء لا تُنقذ بالصراخ وحده وأن بعض الصمت يكون حكمة حين يتحول الكلام إلى ضجيج وأن انتظار العدالة السريعة رفاهية لا يملكها الموجوعون نضجت حين أدركت أن المعارك الطويلة لا تُربح بالحماس بل بالنَفَس وأن الخسارة لا تعني السقوط دائمًا بل تعني أحيانًا أننا بقينا واقفين حين كان الانهيار أسهل نضجت حين توقفت عن تفسير الغياب وحين صرت أقرأ الناس من مواقفهم لا من كلماتهم وحين لم أعد أطلب كثيرًا سوى الصدق والبقاء
ورغم هذا السواد لم يكن 2025 عامًا للخسارة وحدها ففي قلب النار كسبت إخوة لم تجمعني بهم الدماء بل المواقف إخوة صنعهم الخطر والخذلان المشترك وامتحنتهم اللحظات الصعبة فبقوا ناسًا ظهروا في العتمة وثبتوا حين تراجع كثيرون وصاروا سندًا حقيقيًا لا يُرفع في الشعارات بل يُعرف وقت الشدة وفي هذا العام نفسه أنجزت مهامًا لم تكن للنجاة المؤقتة بل للمستقبل مهامًا بُنيت بصبر ووُضعت لبناتها في أرض قاسية لكنها صلبة خطوات ثقيلة محسوبة لم تُرَ نتائجها بعد لكنها تحمل وعدًا لأيام أقل ارتباكًا وأكثر وضوحًا 2025 لم يمنحنا السلام لكنه منحنا وعيًا أعمق وجرّد الوجوه من أقنعتها وعلّمنا من معنا ومن ضدنا ومن يبقى حين تصبح الكلفة عالية خرجنا منه أقل سذاجة وأكثر صلابة وأشد إيمانًا بأن ما يُبنى في زمن النار لا يسقط بسهولة حين يهدأ الرماد
ومع بداية العام الجديد أدخله هذه المرة مثقلة بغياب أبي الذي رحل باكرًا وترك فراغًا لا تملؤه الأعوام ولا الكلمات فراغًا يشبه الصمت الطويل بعد الضحك لكن الغياب لا يسير وحده دائمًا فثمة وجوه تأتي على هيئة طمأنينة مؤقتة تشبه ما فقدناه أستقبل السنة وأنا أهمس لصورة شبيه أبي إنسان جذبني من خطواته الهادئة كخطوات أبي من هدوئه الذي يمنح الطمأنينة من صدقه الذي يذكّرني بأن العطاء ممكن من جمال نظرته الذي يحرك القلب قبل الكلمات أحببته على مهل دون قرار ودون وعود أحببته كما يُحب الأمان حين يظهر فجأة في زمن الخوف أناجي صورته ليلًا كأنني أناجي والدي لا كعاشقة بل كابنة تخاف على من يذكّرها بالسند أخاف عليه من هذا العالم القاسي من الطرقات الملتبسة من الأذى الذي يأتي بلا سبب أتمنى له السلامة كما كنت أتمنى لأبي وأهمس له في قلبي أن يدخل هذا العام كما أتمنى له أن يكون أكثر صدقًا مع نفسه أكثر إيمانًا بما يفعل وأكثر محبة للحياة وللناس وأدعوه أن يحفظه الكريم يا شجاع لأن بعض القلوب لا تحتمل الكذب ولا تنجو بالكراهية أحببته لأنه أعاد إليّ شعور الطمأنينة لا لأنه وعد بشيء بل لأنه كان صادق الملامح واضح الحضور كأن الله أرسله تذكرة بأن الخير لا يزال ممكنًا وأن الحنان قد يأتي في صورة غريبة لا تعرف اسمك لكنها تعرف وجعك وأن النضج أحيانًا هو أن تحب دون امتلاك وأن تخاف دون ضجيج وأن تدعو لشخص وتكون صادقة حين تمنيت له النجاة
أهمس له أيضًا لأن خطواته تذكرني بخطوات أبي وأتأمل هدوئه الذي يُطمئن الروح وأتأمل صدقه الذي يمنح الحياة وضوحًا وجمال نظرته التي تشد القلب وكأنها تقول إن العالم لا يزال ممكنًا وأن الطمأنينة موجودة رغم الخراب حولنا وأتمنى له أن يكون كما أتمنى وأن يحفظه الكريم وأن يكون شجاعًا أكثر وأن يمضي في حياته بثقة وهدوء وصدق ومحبة كما كنت أتمنى لأبي أن يكون دائمًا وأدعو له أن يسير على خطى الخير وأن يبقى كما هو صادقًا نبيلاً شجاعًا مؤمنًا بالحياة
غياب أبي علّمني أن الطمأنينة قد تتجلى في أشخاص غرباء وأن الذاكرة حين تفتقد سندها تبحث عن شبيه لا ليعوض الفقد بل ليخفف حدته وأن النضج لا يعني القسوة بل القدرة على الاعتراف بالحنين دون أن نُخضعه للتفسير أو الدفاع وأن الحب الحقيقي قد يظهر أحيانًا في صورة غير متوقعة وقد يكون شخصًا واحدًا يذكرك بما فقدت ويمنحك أمانًا دون أن يعرفك وأن بعض الصمت أبلغ من الكلمات وأن الدعاء الحار من القلب أصدق من أي شعارات
نغادر عامًا مثقلاً بالدم والحزن والنضج وندخل عامًا جديدًا لا نطلب فيه معجزات ولا نرفع فيه شعارات كبيرة نطلب فقط رحمة عامًا أقل فراقًا أقل قسوة أكثر عدلًا عامًا لا تُقاس أيامه بعدد القتلى ولا تُفتَح نشراته على صور الجثث ولا تُختَتم لياليه بنداءات الاستغاثة وداعًا 2025 كنت قاسيًا أكثر مما نحتمل لكنك جعلتنا نكبر أسرع مما أردنا خرجنا منك أحياء أكثر وعيًا كسبنا إخوة وأنجزنا للمستقبل رغم الخراب ودخلنا عامًا جديدًا بقلوب مجروحة ناضجة بما يكفي لتعرف كيف تتمنى الخير دون أن تكذب على نفسها ودون أن تنسى الحقيقة ودون أن تنسى أن الطمأنينة قد تأتي من حيث لا نتوقع وأن الحب والهدوء والصدق والوفاء أحيانًا يظهرون في أماكن غير متوقعة وبأشكال لم نفكر به
مرحبا 2026…
أتمنى أن يكون عامًا يحمل السعادة والطمأنينة ويطوي وراءه كل ما كان حزن وألم نودع 2025 بكل وجعه وأحزانه ونفتح ذراعنا لاستقبال الأفراح الأولى منه أن تتوقف هذه الحرب اللعينة وأن يعود أهلنا إلى ديارهم سالمين غانمين وأن نحتفظ بعزيز بيننا وأن نعيش لحظات السلام والفرح دون خوف أو فقد عام نعيد فيه ترتيب حياتنا وقلوبنا ونمضي بأمل وإيمان بأن القادم أفضل عام يحمل في طياته الأمن والأمان الفرح الحقيقي الحب الصادق، وهدوء الروح الذي كنا نبحث عنه وسط الخراب
وأهمس في قلبي لشبيه أبي لصوت خطواته الهادئة لابتسامته التي تذكّرني بأيام الطمأنينة أتمنى له عامًا سعيدًا أن يحفظه الكريم أن يكون أكثر شجاعة وواثقًا وهادئًا أن يحمل قلبه سلامًا وأن يظل صادقًا ونقيًا أرفع له دعاءً في صمت الليل أن تمر الأيام عليه برفق أن يبتعد عنه الخوف والألم وأن تعود الطمأنينة إلى قلبه كما عاد بعضها إلى قلبي بوجوده في الصورة أن يكون عامه عام أمان وهناء، وأن يكون محاط بالأمان والحب بعيدًا عن الفقد والوجع
نستقبل العام الجديد ونحن نحمل في قلوبنا ذكري لمن رحلوا وأملًا بأن القادم أفضل، نطوي 2025 بكل أحزانه ونجعلها دروسًا في الصبر والحب والنضج، وندعو كل لحظة في 2026 أن يكون بداية للأفراح للحياة للضحكات الحقيقية للقلوب التي تتعافى للحب الذي يملأ الروح وللطمأنينة التي كنا نفتقدها




