*اغتيال الشرتاوي آدم… رسالة سياسية مكتملة الدلالات*

المليشيا لم تقتل الشرتاوي آدم صبي التجاني الطيب صالح بالخطأ ولم تطلق رصاصة عشوائية ولم تجرفه فوضى الحرب اختطفته أولا ثم قتلته والاختطاف في عرف الحروب قرار واع والقتل بعده تنفيذ لرسالة مدروسة ومن لا يفهم هذه المعادلة لا يفهم طبيعة هذه المليشيا ولا مشروعها ولا سلوكها
حين تختطف المليشيا رجلا من بين أهله وتحت سمع وبصر المجتمع ثم تعيده جثة فهي لا تبحث عن نصر عسكري ولا عن مكسب ميداني هي تبحث عن تفجير المجتمع من الداخل تبحث عن لحظة الشك الأولى تبحث عن السؤال القاتل من سيفهم الجريمة ومن سيخطئ العنوان ومن سيحوّل الدم من جريمة سياسية واضحة إلى فتنة اجتماعية
المليشيا لا تختطف لتستجوب ولا لتفاوض ولا لتبادل تختطف لتصنع وقتا باردا للتفكير والاختيار لتحديد الاسم والرمزية والتأثير ثم تقتل لتطلق الشرارة وتترك المجتمع يتولى الحريق
هذا السلوك ليس جديدا ولا عشوائيا هذه سياسة المليشيات حين تفشل في الحرب النظامية وحين تُكسر في الجبهات وحين تعجز عن مواجهة جيش أو سلطة أو مجتمع واع عندها تنتقل إلى السلاح الأرخص والأخبث سلاح الأعدام
المليشيا تعرف أنها لا تستطيع حكم دولة ولا إدارة مدينة ولا ضبط شارع ولا توفير أمن لذلك لا تبحث عن الاستقرار بل عن الفوضى ولا تسعى للنظام بل لانهياره ولا تريد مجتمعا موحدا بل قبائل خائفة متقابلة متشككة كل واحدة ترى الأخرى عدوا محتملا
اغتيال الشرتاوي آدم بعد اختطافه ليس جريمة فردية بل بيان سياسي مكتوب بالدم بيان يقول إن المليشيا مستعدة لاختطاف الناس من بيوتهم ومن طرقاتهم ومن حياتهم ثم إعادتهم جثثا فقط لتشغيل ماكينة الشك والاتهام والثأر
المليشيا لا تريد حربا قبلية بالمعنى الساذج لأنها لا تقاتل لتنتصر بل لتستمر وهي لا تستمر إلا في بيئة مشتعلة كلما اشتعلت القبائل تمدد عمرها وكلما تصارع المجتمع تأجل سقوطها وكلما انشغل الناس ببعضهم ابتعدوا عن القاتل الحقيقي
أخطر ما في هذه الجريمة ليس القتل وحده بل ما بعدها اللحظة التي يبدأ فيها الهمس والاتهام والتحميل والبحث عن انتماء الضحية بدل البحث عن القاتل تلك اللحظة هي هدف المليشيا الحقيقي وهي اللحظة التي تراهن عليها وحين يتحول السؤال من من خطف ومن قتل إلى من ينتمي لمن تكون المليشيا قد ربحت الجولة دون أن تطلق رصاصة جديدة
وما يثير الغثيان أكثر من الجريمة نفسها أن بعض المنحدرين من إعلام المليشيا خرجوا يرسلون رسائل مغلفة بالتهديد مثل هذا مصير كل من دعم دولة ستة وخمسين وكأنهم يمنحون أنفسهم حق تقرير من يعيش ومن يموت وكأن الدم صار بطاقة عضوية وكأن الوطن تحول إلى قائمة إعدام بأيدي عصابة
هذا الخطاب ليس رأيا سياسيا ولا تحليلا ولا انفعالا عابرا هذا خطاب إعدام صريح خطاب مليشيا ترى نفسها قاضيا وجلادا وتمنح نفسها سلطة الحياة والموت على أساس الموقف والفكرة وحين يقول إعلام المليشيا هذا مصير كل من دعم دولة ستة وخمسين فهو لا يناقش تاريخا ولا يختلف سياسيا هو يهدد الحاضر ويعدم المستقبل ويعلن أن كل من لا ينتمي لمشروعهم الدموي هدف مشروع للقتل
هذا أخطر من الرصاصة لأن الرصاصة تقتل فردا أما هذا الخطاب فيقتل فكرة الدولة نفسها ويحوّل الوطن إلى ساحة تصفية حسابات ويقسم الناس إلى من يستحق الحياة ومن يستحق الذبح ومن قال لكم إنكم تملكون هذا الحق ومن منحكم سلطة تقرير المصير ومن أعطاكم مفاتيح الحياة والموت ومن سمح لكم بتحويل الخلاف السياسي إلى رخصة قتل مفتوحة
إعلام المليشيا لا يكتب ليشرح بل ليحرّض لا ينقل خبرا بل يطلق تهديدا لا يبحث عن حقيقة بل عن ضحية جديدة وحين يفشل في تبرير القتل يذهب مباشرة إلى لغة التصنيف من معنا يعيش ومن ضدنا يموت وهنا يجب أن يكون الموقف حاسما لا رماديا ولا خجولا القاتل معروف والمليشيا هي القاتل وأي محاولة لتدوير الجريمة قبليا أو تمييعها أو تمرير خطاب التهديد هي مشاركة مباشرة في مشروع الفتنة حتى لو تمت باسم الحذر
الشرتاوي آدم لم يقتل لأنه أخطأ ولم يقتل لأنه حمل سلاحا ولم يقتل لأنه من قبيلة ما قتل لأنه اختير بعناية ليكون رسالة وليكون جسرا للفتنة وليكون اختبارا لوعي المجتمع ومن يصمت على هذه الجريمة بحجة الخوف يمنح القاتل فرصة جديدة ومن يلمح دون تسمية يترك الباب مفتوحا للخراب ومن يجر الدم إلى القبيلة يوقّع باسم الوطن على شهادة موته
وفي النهاية لا يكفي الغضب ولا تكفي الإدانة ولا تكفي تسمية الجريمة وحدها ما يتطلبه هذا المشهد هو تحليل عميق لما تفعله المليشيا ولماذا تفعله الآن المليشيا تتحرك بحساب بارد لأنها تدرك أن مشروعها العسكري يتآكل وأن قدرتها على السيطرة تنهار وأن المجتمع بدأ يستعيد وعيه لذلك انتقلت إلى مرحلة كسر المعنى لا كسر الجبهة مرحلة تفجير المجتمع بدل مواجهته
اختطافه ثم قتله ليس رسالة عاطفية بل معادلة سياسية هدفها نقل الصراع من مواجهة واضحة مع مليشيا قاتلة إلى صراع داخلي بين الضحايا أنفسهم وحين ينجح هذا التحويل تتراجع المسؤولية وتتوه الجريمة ويضيع القاتل في ضجيج الاتهامات
إذا لم يُفكك هذا الخطاب وإذا لم يُسم القاتل باسمه وإذا لم يُرفض منطق التهديد فإن كل جريمة قادمة ستكون أسهل وكل دم قادم سيكون أرخص وكل فتنة قادمة ستكون أوسع المطلوب ليس فقط الحزن بل حماية المجتمع من أن يتحول إلى أداة في يد قاتله وحماية الوعي من أن يُختطف مع الجسد وحماية فكرة الدولة من أن تُذبح باسم السياسة أو التاريخ
هذه ليست معركة كلمات بل معركة وعي ومن يربح الوعي يربح المعركة قبل الرصاصة ومن يخسره يتحول إلى وقود مجاني لمليشيا لا تعيش إلا على الخراب
وهنا يصبح الخيار واضحا بلا رماديات إما دولة أو مليشيا إما وعي أو فتنة إما تسمية القاتل أو دفن الوطن معه
له الرحمة والمغفرة ولأهله الصبر والثبات أمام جريمة اغتيال سياسية مكتملة الدلالات والخطورة التي تتجاوز الفرد لتستهدف المجتمع والفكرة والدولة نفسها والتي تحمل رسائل تهديد واضحة لكل من يسعى للحق والعدالة وتكشف عن حجم الاستهداف الممنهج من قبل المليشيا لسحق أي صوت أو أي وعي أو أي مقاومة ضد مشروعها الدموي

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole