ما يتعرض له السودانيون في مصر لم يعد سلسلة حوادث ولا أخطاء أفراد ولا نتاج ضغط اقتصادي عابر بل أصبح بنية كاملة من الانتهاك المنهجي يقوم على نزع القيمة عن الإنسان السوداني وتحويله إلى كائن قابل للإذلال والطرد والقتل دون كلفة سياسية أو أخلاقية
موت محمد سوبا لم يكن جلطة دماغية فقط بل قرارًا باردًا اتخذته مؤسسة طبية حين إختارت المال على الحياة وأخرجت مريضًا في غيبوبة إلى مصيره وكأن العلاج امتياز طبقي وكأن اللاجئ لا يستحق حتى فرصة الموت بكرامة
لكن سوبا لم يكن البداية ولا النهاية فقبله وبعده سقط دم سوداني في الشوارع قُتلت الشابة ذكريات في واقعة عنف غامضة طُويت بسرعة مريبة وقُتل الشاب محمد في حادثة أخرى لم تتحول إلى قضية رأي عام لأن الضحية كان سودانيًا وهذه ليست مصادفات بل نتائج مباشرة لمناخ عام يُشيطن السوداني ويُفرغ دمه من قيمته ويُسهّل التعدي عليه ثم الصمت عنه
في هذا المناخ يصبح القتل ممكنًا والبرود طبيعيًا وتصبح العدالة انتقائية لا تتحرك إلا لحماية صورة الدولة لا لحماية الضحية
الابتزاز يبدأ من الموافقات الأمنية التي تُباع بآلاف الدولارات لدخول بلد كان يومًا مفتوحًا بموجب اتفاقات رسمية ثم يمتد إلى سماسرة السكن والعمل ثم يبلغ ذروته في المستشفيات وأقسام الشرطة حيث يُختبر السوداني يوميًا في كرامته وحقه في العلاج والأمان والعدالة
السوداني في مصر يعيش تحت تهديد دائم مرضه مخاطرة وجوده هش صوته عبء واعتراضه خطر وكل ذلك يُغطى بخطاب أخوة أجوف يُستخدم لإسكات الضحايا لا لإنصافهم
هذا الواقع ليس منفصلًا عن تاريخ طويل من علاقة غير متكافئة نظرت فيها الدولة المصرية إلى السودان باعتباره مجال نفوذ ومخزن موارد لا شريكًا متساويًا فمياهه تُقتطع أرضه تُستغل اقتصاده يُختزل ثم حين ينهار تحت وطأة الحروب والانقلابات يُستقبل الفارون منه بعقلية أمنية فوقية لا ترى فيهم بشرًا بل عبئًا يجب ضبطه بأقل كلفة
ولذلك لم يكن غريبًا أن تنحاز مصر دائمًا للأنظمة القامعة في السودان لأن الديمقراطية السودانية كانت وما زالت خطرًا على منطق الوصاية والاستعلاء
القتل هنا لا يتم فقط بالسكين أو بالدهس ثم الهروب بل بالإهمال والصمت والتجريد قتل بتحويل الإنسان إلى رقم بلا اسم وبلا قضية وحين يُسأل النظام عن كل ذلك يختبئ خلف لغة الأمن والسيادة بينما الحقيقة أبسط وأقسى هناك قرار غير معلن بأن حياة السوداني أقل قيمة
ما جرى لمحمد سوبا وما جرى لذكريات وما جرى لمحمد وغيرهم ممن لم تُنشر أسماؤهم ليس قدرًا ولا سوء حظ بل نتيجة مباشرة لسياسات نزعت عن الإنسان السوداني قيمته الأخلاقية والقانونية وسمحت بأن يُطرد من سرير العلاج ويُقتل في الشارع ويُهان في الصمت
السؤال لم يعد لماذا يموت السودانيون في مصر بل لماذا يُسمح باستمرار هذا الواقع ولماذا يُطلب من الضحايا الصمت والامتنان ولماذا لا يُسمى هذا السلوك باسمه الحقيقي جرائم ممنهجة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان
فالأخوة التي لا تحمي مريضًا ولا تنصف قتيلًا ولا توقف ابتزازًا ليست أخوة بل كذبة كبيرة تعيش على حساب دم الآخرين وحتى يُكسر هذا الصمت سيظل الموت يكتب يوميًا اسمًا سودانيًا جديدًا في سجل لا يريد أحد فتحه




