وا أسفاه… حين تمتلك الأرض كل مقومات الخير، وتفتح ذراعيها للزراعة والإنتاج والاستثمار، ثم يأتي النزاع وسوء الإدارة ليحوّلا كل تلك الإمكانات إلى عبء، وكل فرصة إلى خسارة، وكل حلم إلى مشروع مؤجل.
المؤلم في الأمر ليس أن يغادر مستثمر، أو أن يتعثر مشروع، أو أن تتوقف منشأة عن العمل؛ فهذه خسارة يمكن حسابها بالأرقام. لكن الخسارة الأكبر هي أن تضيع الفرص التي كان يمكن أن تصنع عشرات الوظائف، وتحرك الأسواق، وتدعم الأسر، وتفتح أبوابًا جديدة للتنمية والاستقرار.
السودان لا تنقصه الموارد، ولا الأراضي الخصبة، ولا الأيدي العاملة، ولا الموقع الجغرافي. ما ينقصه هو البيئة التي تجعل المستثمر يشعر أن أمواله في مأمن، وأن مشروعه محكوم بالقانون، وأن جهده لن يتحول غدًا إلى ضحية للنزاعات أو القرارات المرتجلة أو التعقيدات الإدارية.
لقد دفع السودان، وما زال يدفع، ثمنًا باهظًا نتيجة غياب الاستقرار وضعف الإدارة وتداخل المصالح. وفي كل مرة يغادر فيها مستثمر، لا يغادر معه المال وحده؛ بل تغادر معه وظائف كان يمكن أن تُخلق، وأسر كان يمكن أن تستقر، ومنتجات كان يمكن أن تصل إلى الأسواق، وإيرادات كان يمكن أن تدعم خزينة الدولة.
المفارقة أن السودان يقف فوق ثروة هائلة، بينما يبحث أبناؤه عن فرص العمل، ويبحث الاقتصاد عن موارد، وتبحث الدولة عن استثمارات. وكأن المشكلة ليست في غياب الخير، وإنما في العجز عن إدارة هذا الخير وحمايته وتوجيهه نحو مصلحة المواطن والوطن.
إن جذب الاستثمار لا يكون بالشعارات ولا بالمؤتمرات وحدها، وإنما ببناء دولة قانون، وتوفير الأمن، وتبسيط الإجراءات، وحماية المستثمر، ومحاربة الفساد، وإبعاد المشاريع الإنتاجية عن الصراعات والتجاذبات.
فالاستثمار لا يحب الفوضى، ولا يعيش في بيئة الخوف، ولا يمكن أن ينمو في ظل القرارات المتناقضة. رأس المال يبحث بطبيعته عن الاستقرار، والسودان لن يستطيع استعادة عافيته الاقتصادية ما لم يجعل الإنتاج والاستثمار والتنمية أولوية وطنية تتقدم على الخلافات والصراعات.
يا أهل السودان… نحن لا نحتاج إلى اختراع موارد جديدة، بقدر حاجتنا إلى حسن إدارة ما نملك. فالأرض موجودة، والمياه موجودة، والثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية موجودة، والشباب موجودون، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: متى نحسن إدارة كل هذه الإمكانات؟
وا أسفاه على مشروع يرحل، وفرصة تضيع، ومستثمر يغادر، وشاب يقف في طابور البطالة، وقرية تنتظر التنمية.
نسأل الله أن يهيئ لهذا الوطن من يصلح أحواله، وأن يرد إليه أمنه واستقراره، وأن تعود عجلة الاستثمار والإنتاج والتنمية إلى كل ربوع السودان، وأن تصبح موارد البلاد نعمةً على أهلها لا سببًا لمعاناتهم.
اللهم فرّج عن السودان وأهله، وارزقه الأمن والسلام والاستقرار، وافتح له أبواب التنمية والرزق، واجعل خيراته لأبنائه، ومستقبله أفضل من حاضره.



