مرّ بي اليوم مقطعٌ قصير عن المدينة المنورة، لكنه لم يكن عابرًا كغيره؛ بل كان ومضةً من نورٍ أيقظت في القلب شوقًا قديمًا، وأعادت ترتيب المشاعر على هيئة حنين.
أرسله إليّ أخي وصديقي وشيخي عزالدين الخمجان، فإذا به مشهدٌ يفيض جمالًا: القبة الخضراء تلوح كأنها نبض السماء، والمسجد يحتضن السكينة، والروح تتهادى بين أفياء الطمأنينة، حيث سيرة الحبيب ﷺ، وحيث أثر الصحب الكرام.
وفي ثنايا المقطع، صدح صوتُ شيخٍ وقور، فاستوقفني بقوله:
“هناك من يسكن المدينة… وهناك من تسكنه المدينة.”
عبارةٌ ليست كالكلمات؛ بل مفتاحٌ لبابٍ من المعنى العميق.
فالسكنُ في المدينة قدرٌ، أما أن تسكنك المدينة… فذلك اصطفاء.
أن تتغلغل فيك حتى تصير نبضًا في قلبك، وحنينًا في روحك، ودمعةً دافئة كلما ذُكرت.
أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل مدينةً تسكن القلوب؟
وأيُّ طُهرٍ ذاك الذي يجعل الأرواح تتعلّق بها كأنها موطنها الأول؟
هي المدينة…
ليست مكانًا يُزار، بل حالةٌ تُعاش،
وليست أرضًا تُرى، بل نورٌ يُحَسّ،
فمن ذاقها روحًا، ما عاد كما كان أبدًا.
ويا لحلاوة لياليها وأمسياتها…
حين يلتئم الأحبة والأصحاب على مائدة الشوق، يجمعهم حبُّ المصطفى ﷺ، وتظلّلهم سكينة المكان.
وللسودانيين فيها نغمةٌ خاصة، ورونقٌ متفرّد؛ حبٌّ عذريٌّ صافٍ، وشوقٌ لا يخبو.
تراهم في ساحات الحرم بسمتٍ يُعرفون به، في لباسهم، في جلساتهم، في دفء حضورهم.
حتى الزائر العابر لا يخطئ ملامحهم، ولا يجهل محبتهم لطيبة وساكنها.
ومن بين همساتهم العذبة، تتردد كلمة “يا زول”،
تحمل في طياتها ألفةً وسلامًا، وتنساب تحايا ومداعبات، كأنها جزءٌ من نسيج المكان،
فتزيد المشهد دفئًا، وتمنح الروح ابتسامةً لا تُرى… بل تُحَسّ.
اللهم اجعلنا من أولئك الذين يسكنون المدينة، ومن الذين تسكنهم المدينة،
وارزقنا حبها وحب ساكنها، واجعل لنا فيها نصيبًا من السكينة والقبول.
وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم
ونواصل
Mashahid3000@gmail.com




