أصبح انتشار مزارع الدواجن بالقرب من الأحياء السكنية—وأحيانًا على بُعد عشرات الأمتار فقط—خطرًا حقيقيًا يهدد صحة المواطنين. فالروائح المنبعثة من هذه الحظائر لم تعد مجرد إزعاج، بل تحولت إلى مصدر مباشر لأمراض الجهاز التنفسي، وهو ما بات واضحًا في حي العقدة وامتداده مربع (4)، بعد التوسع الكبير في تصاديق إنشاء الحظائر حول هذه المناطق.
الظاهرة أصبحت مقلقة لسكان الحي، خاصة مع تزايد حالات الحساسية والربو، بل ووصول الأمر إلى تسجيل حالة وفاة لسيدة يُرجّح تأثرها بتداعيات هذه البيئة الملوثة. ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، إذ ساهمت مخلفات الدواجن النافقة في تكاثر الكلاب الضالة بشكل ملحوظ، ما أدى إلى وقوع حالات اعتداء على المواطنين.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتباطأ الجهات المعنية في التعامل مع هذه الأزمة، رغم الشكاوى المتكررة من السكان؟ ولماذا تنتهي هذه الشكاوى إلى الأدراج دون حلول؟ هل لأن هذه المزارع تدفع مبالغ للمحليات؟ وإن صح ذلك، فما قيمة هذه الإيرادات أمام صحة المواطنين وسلامتهم، خاصة في ظل الظروف الراهنة وارتفاع تكلفة العلاج؟
المفارقة أن الضرر لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يمتد إلى قطاع الدواجن نفسه، حيث إن قرب الحظائر من المناطق السكنية يزيد من احتمالات انتشار الأمراض بين الطيور، ما يهدد هذا النشاط الاقتصادي من أساسه.
كما يُطرح تساؤل آخر حول إصرار بعض المستثمرين—وغالبهم من خارج الأحياء بل ومن خارج مدينة كريمة—على إقامة هذه المشاريع داخل النطاق السكني، مستغلين النفوذ والمال، في مواجهة مباشرة مع المواطنين.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات مشروعة حول دور شركة دواجن النيل، كأكبر شركة وطنية في هذا المجال، في منح التسهيلات لهؤلاء المخالفين، رغم ما ثبت من أضرار بيئية وصحية، وكان الأولى بها الالتزام الصارم باشتراطات وزارة البيئة.
مدينة كريمة تمتلك فرصة حقيقية لحل هذه المشكلة جذريًا، من خلال استغلال موقعها الجغرافي المميز على الطريق الرابط بينها وبين حاضرة الولاية دنقلا، لإنشاء منطقة صناعية متكاملة. هذه المنطقة يمكن أن تستوعب مزارع الدواجن والمصانع والاستثمارات المختلفة، مع توفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وتأمين، بحيث لا تبعد سوى دقائق عن المدينة، وتُجنّب السكان مخاطر التلوث.
كما يمكن أن تشمل هذه المنطقة إنشاء مذبح حديث للدواجن، بدلاً من الاعتماد على مذبح كورتي البعيد، ما يسهم في تطوير القطاع وتحسين كفاءته.
رسالة إلى السيد والي الولاية الشمالية، والمدير التنفيذي لمحلية مروي، ورئيس وحدة كريمة الإدارية: صحة المواطن يجب أن تكون فوق أي اعتبار. وكما قال الرسول الكريم ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار”. المطلوب اليوم هو إيقاف هذه المزارع المخالفة فورًا، والعمل على تهيئة المنطقة الصناعية المقترحة وتوفير خدماتها.
إن قيام هذه المنطقة لن يستقطب فقط عشرات المزارع كما هو الحال الآن، بل قد يفتح الباب لمئات المشاريع مستقبلاً، بما ينعش اقتصاد المدينة والولاية، ويحقق التوازن بين الاستثمار وصحة الإنسان.




